صخرة سيزيف بين ” العبثية والغائية”

صخرة سيزيف بين ” العبثية والغائية”
سهام حسين القحطاني
منذ إن دخلت الأسطورة مجال النقد الثقافي، أصبحت موضوعا فكريًا ،وخرجت من دائرة الحدث الدرامي إلى مضمون فلسفي قائم بذاته.
وتٌعدّ أسطورة سيزيف من أكثر الأساطير التي خضعت لعمليات التفكيك الفلسفي في بنيتها الدرامية؛ بسب تداخل دلالاتها الفكرية، وما تحمله من رمزيات تتعلق بالفعل الإنساني وآثاره.
وتٌعدّ هذه الأسطورة من النماذج التطبيقية التي استثمرتها النظرية العبثية،
وانتجت من خلالها مصطلح “اللاجدوى”.
كان البير كامو من المفكرين الذين ينتمون إلى الفكر العبثي “فكل شيء عبثي بلا مسوغات، أي غياب نظام لا يمكن إحاطته بثبات وديمومة” ولذا لا عجب أن يختار أسطورة “سيزيف” لتصبح نموذجا إجرائيًا يٌؤكد رؤيته إلى الوجود العبثي الذي لا يحمل قيمة في ذاته.
ويناقش كامو من خلال هذه الأسطورة سؤالًا ” هل للحياة معنى؟”.
المعنى المقصود عنده ليس وصف الدلالات، بل وجود نظام يحكم حركة الأنسان والأشياء والكون، ويقوم على ترتيب الأولويات، و من هذا المنطلق يطرح سؤاله الذي افتتح به كتاب “أسطورة سيزيف”: كيف “أستطيع أن أحكم بأن هذه المسألة هي أهم من تلك”، حيث اختارها كمقرِر لحياتي أو موتي؟.
ولذا يرى أن ليس هناك حقيقة تستحق أن يموت الإنسان من أجلها، وأن ومن اختار أن يموت إنما قرر ألاّ يعيش، لا سعيًا لهدف يحقق قيمة.
وهنا تبرز رمزية سيزيف عند البير كامو، فقد اختار انقاذ البشرية، لكن هذا الاختيار لم يجلب له أي فائدة، بل كانت نتيجته عقابا عبثيًا وعذابًا بلا خلاص.
سيزيف الإله المخطئ الذي تمرد على السلطة الأبوية، واختار انقاذ البشرية وتمثل بصفاتهم.
وهذا التمرد حوله من كينونة الخلود إلى كينونة الفناء تمهيدا لمصادرة حقه في الخلاص.
وعقابا لسيزيف على تحدي السلطة الأبوية ومساعدة البشر، حكمت عليه تلك السلطة ” بأن يدفع كل يوم صخرة عملاقة، ويصعد بها عبر منحدر إلى القمة، وبمجرد أن يقترب من القمة تتدحرج الصحرة، فيضطر إلى النزول واستئناف محاولة دفعها إلى القمة مرة جديدة، وفي كل مرة يفشل سيزيف من إيصال الصخرة إلى القمة، وهكذا يظل عالقا في دومة الهبوط والصعود دون تحقيق غايته.
ومن هنا يقرأ “ألبير كامو” شخصية سيزيف بوصفه “البطل اللامجدي، وهو كذلك عبر عواطفه..عبر عذابه،وكرهه للموت، وعاطفته المتحمسة للحياة، أدت تلك الأمور كلها إلى العقاب الرهيب الذي يكرس فيه الكيان كله من أجل تحقيق اللاشيء”.
إن عقاب سيزيف هو عقاب لا تعقبه معفرة، وجهده المتكرر لا يتضمن توبة، وبذلك يتحرر العقاب في فلسفة سيزيف من قيمتها الإصلاحية، ويحوله إلى لعنة أبدية، ومسار عبثي لا يحمل خلاصًا.
فما الفائدة من هذا العقاب؟ وما نتيجته؟ لا شيء.
إن الإجابة “بلا شيء” هي مصدر كل عبث، والفوضى المطلقة، وغياب قيمة النتيجة وصفة الخاتمة، هي خلاصة العدمية “فما أهمية عدم أهمية أي شيء”؟.-نولن جيرتز-
كانت صخرة سيزيف بوصفها وسيلة لعقاب بلا خلاص، مصدر إلهام لنظريات العبثية والعدمية والفوضى.
ويرى البعض بعيدًا عن النظرية العبثية، أن هناك قيمة تأويلية لصحرة سيزيف تتجاوز فلسفة العقاب العبثي.
إنها قيمة البحث عن الحقيقة الكاملة والمعرفة الصحيحة، التي تُطّهر الذات من الغرور.
فالوصول إلى الحقيقة الكاملة والمعرفة الصحيحة التي يمثل قمة الفكر الإنساني وتطوره، هي الخلاص الوحيد من الجهل والخطيئة.
ومتى ما أدرك سيزيف، الحقيقة الكاملة والمعرفة الصحيحة، استقرت صخرته على القمة وتخلص من عقابه.
وقد سبق سقراط إلى هذه الدلالة في كليتها؛ إذ كان مناهضًا لفكرة عبثية العقاب، فقد ذهب إلى أن “العقل” هو مصدر الخلاص من عبثية العقاب.
أما ديكارت فيرى أن العلم هو الخلاص لعذاب الإنسان.
وكلاهما-سقراط و ديكارت-يؤكدان أن المعرفة الصحيحة هي سبيل الإنسان للخلاص من عذابه.
فالجهل هو العقاب والمعرفة هي الخلاص، ولا معرفة بلا مشقة.