كُتاب الرأي

واشنطن وطهران.. حسابات الحسم .

واشنطن وطهران.. حسابات الحسم .

رؤية تحليلية عسكرية واستراتيجية .

الأربعاء الموافق ( 21 ) أكتوبر ( 2026 )م .

كتبه ؛ اللواء البحري الركن المتقاعد / عبدالله بن سعيد الغامدي دبلوماسي سابق وخبير في الدراسات الاستراتيجية .

( حين تتعثر الدبلوماسية وتتقدم القوة العسكرية إلى واجهة الصراع، يصبح السؤال الأهم ليس من يمتلك القدرة على توجيه الضربة، وإنما من يستطيع تحويل نتائجها إلى مكاسب استراتيجية تحقق الأهداف السياسية وتمنع تجدد أسباب الحرب . )

المقدمة .

بعد نحو ثمانية أشهر من اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد النظام الإيراني في ( 28 ) فبراير ( 2026 )م، تكشف التطورات العسكرية والسياسية والاقتصادية أن المواجهة دخلت مرحلة تتداخل فيها حسابات القوة مع الاستنزاف والتفاوض، وسط تساؤلات متزايدة عن احتمالات استئناف العمليات الأمريكية الواسعة.

ويبرز سؤال استراتيجي جوهري، هل تستعد واشنطن لتوجيه ضربات جديدة تقوض ما تبقى من القدرات العسكرية الإيرانية، أم توظف تفوقها العسكري لتحسين شروط التسوية؟ وتقتضي الإجابة التمييز بين القدرة العسكرية والنية السياسية والاستعداد للتنفيذ، وربط هذه العناصر بمراكز الثقل ومحددات القرار والسيناريوهات المحتملة.

أولا : القدرة العسكرية ودلالات الانتشار .

أفادت وكالة أسوشيتد برس في مطلع أكتوبر بتحرك تعزيزات بحرية أمريكية إضافية باتجاه المنطقة، شملت مجموعة حاملة الطائرات ( ثيودور روزفلت )، مع توقع وصول عدد حاملات الطائرات الأمريكية إلى ثلاث بحلول نهاية الشهر، وفقا للمعلومات المنشورة آنذاك.

وتكمن الدلالة العملياتية في أن هذا الانتشار يمنح القيادة الأمريكية مرونة أكبر في استخدام القوة وإدامة العمليات وحماية القوات والممرات البحرية، مع الاحتفاظ بخيارات متعددة للردع والضغط والعمل العسكري.

الاستنتاج : يعزز الانتشار العسكري القدرة والجاهزية، لكنه لا يمثل بمفرده دليلا على اتخاذ قرار بشن حملة هجومية واسعة.

ثانيا : النية السياسية وحسابات التوقيت .

أعلن الرئيس الأمريكي / دونالد ترامب في ( 8 ) أكتوبر أن الولايات المتحدة لن تستأنف ضرباتها ضد إيران قبل انتخابات الكونغرس المقررة في ( 3 ) نوفمبر ( 2026 )م، وأشار إلى استمرار المباحثات مع طهران، مع إبقاء الخيارات العسكرية مفتوحة لما بعد الانتخابات.

وفي ( 20 ) أكتوبر، نقلت رويترز عن ثلاثة مسؤولين إيرانيين كبار ومصدر إيراني مطلع أن طهران تتعمد إطالة المفاوضات سعيا إلى إضعاف موقف ترامب السياسي قبل الانتخابات الأمريكية، رغم الضغوط الاقتصادية المتصاعدة.

وتكشف هذه المعطيات أن الزمن أصبح أداة ضغط متبادلة؛ فواشنطن تسعى إلى المحافظة على حرية القرار العسكري، بينما يحاول النظام الإيراني استثمار الظروف السياسية لتحسين شروط التفاوض.

الاستنتاج : تمثل الانتخابات محطة مؤثرة في حسابات الطرفين، لكنها لا تشكل موعدا مؤكدا لاستئناف العمليات العسكرية.

ثالثا : محددات القرار الأمريكي .

تحكم احتمالات استئناف العمليات العسكرية الأمريكية ثلاثة محددات استراتيجية رئيسية.

المحدد الأول : حجم التهديد المباشر . ويتعلق بمدى تعرض القوات والمصالح الأمريكية وحلفائها والمنشآت الحيوية والممرات البحرية لاعتداءات تستوجب إعادة تقييم مستوى الرد العسكري.

المحدد الثاني : جدوى استخدام القوة . ويتمثل في قدرة العمليات المحتملة على تحقيق أهداف عسكرية وسياسية واضحة، وتقويض القدرات المستهدفة، والحد من إمكانية تجديد التهديد، بدلا من الاكتفاء بنتائج تكتيكية مؤقتة.

المحدد الثالث : كلفة التصعيد . ويشمل احتمالات اتساع المواجهة، واستهلاك الذخائر الدفاعية والهجومية، وتأثير العمليات في أسواق الطاقة والملاحة الدولية والاقتصاد الأمريكي.

وتزداد احتمالات التنفيذ عندما يتصاعد التهديد، وتتضح جدوى العمل العسكري، وتصبح كلفة الامتناع عن استخدام القوة أعلى من كلفة استخدامها.

الاستنتاج : يتحدد القرار الأمريكي بالموازنة بين الضرورة العسكرية والعائد الاستراتيجي والمخاطر السياسية والاقتصادية، وليس بحجم الحشود العسكرية وحده.

رابعا : الاستنزاف ومراكز الثقل .

قدرت دراسة نشرها مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الأمريكي ( CSIS ) في ( 27 ) يوليو انخفاض مخزونات صواريخ ( باتريوت ) الأمريكية إلى أقل من ( 1000 ) صاروخ، ومخزونات صواريخ ( ثاد ) إلى نحو ( 250 ) صاروخا. وتمثل هذه الأرقام تقديرات بحثية للفترة التي تناولتها الدراسة، وليست إحصاءات رسمية محدثة.

وتبرز هذه التقديرات أهمية القدرة الصناعية على تعويض الاستهلاك والمحافظة على الجاهزية الدفاعية، خصوصا في حال امتداد المواجهة أو اتساع نطاقها.

وفي المقابل، يواجه الحرس الثوري الإيراني تحديات تتعلق بتعويض خسائره والمحافظة على منظومات القيادة والسيطرة والدفاع الجوي والصواريخ والمسيّرات، في ظل الضغوط العسكرية والاقتصادية المتراكمة.

وتكشف هذه المعطيات أن الاستنزاف لا يقاس بعدد الأهداف المدمرة وحده، وإنما بمدى تأثيره في قدرة الخصم على تجديد القوة ومواصلة العمليات.

الاستنتاج : يتحقق التفوق العملياتي بإضعاف القدرات العسكرية، أما الحسم الاستراتيجي فيتطلب الحد من قدرة الخصم على إعادة بناء مصادر تهديده.

خامسا : مضيق هرمز والضغط الاقتصادي .

أصبح مضيق هرمز أحد أبرز مراكز الثقل في المواجهة، مع تراجع حركة الملاحة وتزايد الضغوط الاقتصادية الناجمة عن الحصار البحري الأمريكي والعقوبات والقيود المفروضة على التجارة الإيرانية.

ونقلت رويترز في ( 20 ) أكتوبر عن بيانات شركة ( Vortexa ) أن صادرات النفط الخام الإيرانية المنقولة بحرا انخفضت إلى الصفر خلال الأسبوع الثاني من سبتمبر، مقارنة بمتوسط بلغ ( 230 ) ألف برميل يوميا في بداية الشهر، وظلت عند ذلك المستوى حتى ( 5 ) أكتوبر، وفقا للبيانات المتاحة وقت إعداد التقرير.

كما أوردت الوكالة بلوغ التضخم السنوي الإيراني ( 73.6% ) في سبتمبر، استنادا إلى بيانات المركز الإحصائي الإيراني، وتراجع قيمة الريال بنحو ( 35% ) أمام الدولار منذ إعادة فرض الحصار البحري الأمريكي في يوليو.

وتكشف هذه المؤشرات حجم الضغوط الاقتصادية على طهران، بينما يظل اضطراب الملاحة وأسعار الطاقة عاملا مؤثرا في الاقتصاد العالمي وحسابات القرار الأمريكي.

الاستنتاج : يؤدي تضييق مصادر التمويل وتعطيل حركة التجارة إلى رفع كلفة المواجهة، وقد يحد تدريجيا من قدرة النظام الإيراني على تمويل عملياته العسكرية وإدامتها.

سادسا : الوساطة الباكستانية وتعثر التسوية .

برزت باكستان وسيطا مهما بين واشنطن وطهران، وأسهمت جهودها في التوصل إلى تفاهم مؤقت خلال يونيو، قبل أن يتعثر مع تجدد الأعمال العسكرية.

وفي ( 20 ) أكتوبر، زار قائد الجيش الباكستاني المشير / عاصم منير طهران، حيث التقى مسؤولين إيرانيين، بينهم الرئيس / مسعود بزشكيان، في إطار جهود الوساطة.

ونقلت رويترز عن وسائل إعلام إيرانية أن طهران تتمسك بشروطها قبل استئناف التفاوض المباشر، وفي مقدمتها رفع الحصار البحري والقيود على صادرات النفط وإنهاء الأعمال العدائية، بينما يستمر الخلاف حول البرنامج النووي ومستويات تخصيب اليورانيوم.

وتكشف هذه التطورات أن العقبة الأساسية لا تتمثل في غياب قنوات الاتصال، وإنما في اتساع الفجوة بين الشروط المتبادلة، وتراجع الثقة في قدرة أي اتفاق جديد على الصمود.

الاستنتاج : تستطيع الوساطة المحافظة على فرص التسوية، لكنها تحتاج إلى تنازلات متبادلة وضمانات تنفيذية حتى تتحول الاتصالات السياسية إلى اتفاق مستدام .

سابعا : روسيا والصين والامتداد الإقليمي .

تمثل العلاقات الروسية والصينية مع إيران عاملا مؤثرا في الحسابات الاستراتيجية الأمريكية، خصوصا في المجالات الاقتصادية والتقنية والعسكرية، غير أن المساندة السياسية أو التقنية لا تعني بالضرورة استعداد موسكو وبكين للدخول في مواجهة عسكرية مباشرة مع الولايات المتحدة.

وتتحدد حدود هذه المساندة بالمصالح الوطنية ومخاطر التصعيد، بينما يظل حجم الدعم العسكري الفعلي مرهونا بما تثبته المعلومات الموثوقة.

وفي اليمن، تشكل شبكات التمويل والتسليح والدعم الفني المرتبطة بالحرس الثوري أحد مصادر التهديدات التي تمثلها عصابة الحوثي الإرهابية التخريبية المسلحة، بما يبرز أهمية استمرار جاهزية القوات المسلحة السعودية وقوات التحالف والقوات الحكومية اليمنية لحماية المنشآت الحيوية والممرات البحرية وتعزيز الردع.

الاستنتاج : قد تخفف المساندة الخارجية بعض آثار الاستنزاف الإيراني، لكنها لا تضمن تغيير ميزان القوى، بينما يتطلب تقويض التهديدات الإقليمية معالجة مصادر تمويلها وتسليحها وإمدادها.

ثامنا : السيناريوهات الاستراتيجية .

السيناريو الأول : استمرار الضغط والتفاوض . ويستدل عليه ببقاء الوساطات والاتصالات الدبلوماسية والمحافظة على الانتشار العسكري دون توسع كبير في العمليات.

السيناريو الثاني : استئناف ضربات محدودة . وقد يرتبط باعتداءات مؤثرة أو انهيار فرص التسوية، مع محاولة تحقيق أهداف عسكرية محددة واحتواء اتساع المواجهة.

السيناريو الثالث : حملة عسكرية واسعة . ويتطلب تحولا ملموسا في تقدير التهديد والقرار السياسي والاستعداد العسكري، مع تحمل مخاطر اقتصادية وأمنية أكبر.

السيناريو الرابع : مواجهة استنزاف طويلة . وتتعاقب خلالها فترات التصعيد والتهدئة دون تسوية نهائية، بما يفرض أعباء متراكمة على الأطراف المعنية ويزيد احتمالات سوء التقدير.

الترجيح الاستراتيجي .

في تقديري، يظل استمرار الضغط العسكري والاقتصادي المصحوب بالتفاوض المتعثر هو السيناريو الأرجح على المدى القريب، خصوصا حتى انتخابات ( 3 ) نوفمبر، مع بقاء الضربات المحدودة احتمالا قائما إذا تعرضت المصالح الأمريكية لاعتداء مؤثر أو انهارت فرص التسوية.

أما الحملة العسكرية الواسعة فتحتاج إلى تحول سياسي وعملياتي يتجاوز مجرد تعزيز الانتشار العسكري، ما لم يقع تطور عسكري نوعي يغير حسابات واشنطن ويجعل كلفة الامتناع عن استخدام القوة أعلى من كلفة استخدامها.

وعلى المدى الأبعد، يظل استمرار الاستنزاف المتقطع احتمالا جديا إذا عجز الطرفان عن التوصل إلى تسوية قابلة للتنفيذ، مع احتفاظ كل منهما بالقدرة على إلحاق الضرر بالآخر.

الخاتمة .

تكشف الدلائل والمؤشرات أن واشنطن تحتفظ بتفوق عسكري وخيارات متعددة لاستخدام القوة، بينما يواجه النظام الإيراني ضغوطا عسكرية واقتصادية متراكمة، ويحاول استثمار الزمن والمفاوضات للمحافظة على قدراته وتحسين شروط التسوية.

ويبرز ما بعد انتخابات ( 3 ) نوفمبر اختبارا استراتيجيا مهما، يتمثل في مدى تحول المواقف السياسية الأمريكية إلى قرارات عسكرية أو تفاهمات دبلوماسية، وما إذا كانت التطورات ستقود إلى تصعيد جديد أو استمرار المواجهة المتقطعة.

وتعلمنا فلسفة الحروب أن امتلاك القوة لا يعني بالضرورة تحقيق الغايات السياسية منها، وأن كسب المعارك لا يضمن كسب الحروب، كما أن إضعاف الخصم لا يكتمل أثره ما دام قادرا على تجديد أسباب التهديد.

إن المؤشر الحاسم في المواجهة الأمريكية الإيرانية ليس حجم القوة العسكرية المحتشدة، وإنما اقتران القدرة على استخدامها بإرادة سياسية واضحة وأهداف قابلة للتحقيق؛ فالقوة قد تحسم المعركة، لكن توظيفها السياسي الرشيد هو الذي يحول التفوق العسكري إلى نصر استراتيجي، أما النجاح الحقيقي فيتحقق حين يصبح السلام أكثر رسوخا من دوافع الحرب، والأمن أكثر استدامة من نتائجها العسكرية  .

كاتب رأي 

اللواء عبدالله بن سعيد الغامدي

أديب سعودي وكاتب رأي وملحق عسكري سابق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.