رؤية تحليلية عسكرية واستراتيجية .

رؤية تحليلية عسكرية واستراتيجية .
الأحد الموافق ( 18 ) أكتوبر ( 2026 )م .
كتبه ؛ اللواء البحري الركن المتقاعد / عبدالله بن سعيد الغامدي دبلوماسي سابق وخبير في الدراسات الاستراتيجية .
( من يمد المعتدي بالسلاح والمعلومات والخبرات العسكرية لا تنتهي مسؤوليته عند حدود الإمداد ، بل تمتد إلى ما يثبت من مشاركته الغاشمة في التخطيط والتوجيه وتمكين العدوان . ).
المقدمة .
تمثل الاعتداءات الإرهابية الحوثية بالصواريخ والمسيرات على المملكة العربية السعودية انتهاكا خطيرا لسيادتها وتهديدا مباشرا لأمن مواطنيها والمقيمين على أرضها ومنشآتها الحيوية. وتزداد خطورة هذه الاعتداءات مع المعلومات المتداولة بشأن دور الحرس الثوري الإيراني في تطوير القدرات الحوثية وتقديم الدعم الفني والاستخباراتي والعملياتي لها.
وقد نشرت صحيفة وول ستريت جورنال يوم السبت الموافق ( 17 ) أكتوبر ( 2026 )م تقريرا نقل عن مصادر مطلعة على معلومات استخباراتية اتهامات لإيران بتقديم معلومات لتحديد الأهداف، وتوفير التدريب والتوجيه التكتيكي للحوثيين ، بما يؤكد معلومات دولية متداولة حول حدود المشاركة الإيرانية في الهجمات .
أولا : العدوان الحوثي على المملكة .
إن استهداف الأراضي السعودية بالصواريخ والمسيرات وتعريض المدنيين والمنشآت المدنية للخطر اعتداء لا تبرره الخلافات السياسية أو العسكرية.
وتتحمل عصابة الحوثي الإرهابية المسلحة مسؤولية الهجمات التي تنفذها ، بينما تتسع دائرة الإدانة والمحاسبة لتشمل الأطراف الخارجية التي تثبت مشاركتها في التخطيط أو التمويل أو التسليح أو التوجيه.
ويظل حق المملكة في حماية سيادتها وسلامة سكانها والدفاع عن نفسها حقا أصيلا تقره المادة ( 51 ) من ميثاق الأمم المتحدة، وفقا لأحكام القانون الدولي.
ثانيا : الحرس الثوري ومسؤولية الإسناد .
تكمن خطورة الاتهامات الموجهة للحرس الثوري الإيراني في احتمال انتقال دوره من توفير السلاح والخبرات إلى التأثير المباشر في اختيار الأهداف وإدارة العمليات.
فالإسناد العسكري لا يقتصر على إيصال الصواريخ والمسيرات ، بل يشمل الخبرات الفنية والمعلومات الاستخباراتية التي تعزز دقة الاستهداف والقدرة على تجديد الهجمات.
ومشاركة عناصر الحرس الثوري في تحديد الأهداف أو توجيه العمليات تتجاوز الدعم الفني إلى مستوى من المشاركة العملياتية يستوجب مساءلة ومحاسبة قانونية وسياسية تتناسب مع طبيعة الدور المثبت والإدانة بالجرم المشهود .
ثالثا : مراكز الثقل الحوثية .
تستند القدرة الحوثية إلى منظومة مترابطة من القيادة والسيطرة والاتصالات والتمويل والإمداد والخبرات الفنية .
وتظهر مواطن ضعفها عندما تعتمد بعض القدرات النوعية على مصادر خارجية يصعب تعويضها ، مما يجعل استدامة العمليات أكثر تأثرا بأي اضطراب يصيب تلك المصادر .
وهذه مفارقة استراتيجية مهمة ، فالإسناد الذي يعزز القدرة الحوثية الإرهابية قد يتحول إلى مصدر هشاشة عندما تصبح استمرارية العمليات مرهونة بإمدادات ومكونات وخبرات خارجية.
رابعا : الاقتدار اليمني والدفاع السعودي .
تواصل القوات المسلحة اليمنية جهودها في مواجهة عصابة الحوثي الإرهابية المسلحة، مستندة إلى بسالة رجالها وجاهزيتهم وقدرتهم على انتزاع زمام المبادأة العملياتية والتحكم في مسار المعركة ، بما يعزز حماية السكان وتأمين المناطق وخطوط الإمداد .
وتمثل القدرات الدفاعية المتطورة والمتقدمة للمملكة العربية السعودية وجهود قوات التحالف البطولية ركيزة أساسية لحماية أمن المملكة ومواطنيها والمقيمين على أرضها ومنشآتها الحيوية ، والتصدي للتهديدات الصاروخية والمسيرات .
وتكمن أهمية التكامل العسكري والاستخباراتي والإنذار المبكر في تقليص قدرة المعتدي على تجديد هجماته ، وتعزيز أمن المملكة واستقرار اليمن وسلامة الملاحة البحرية.
خامسا : مسؤولية المجتمع الدولي .
تفرض الاعتداءات الآثمة والسافرة على المملكة وتهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب مسؤولية دولية في مكافحة تهريب الأسلحة وتعطيل شبكات التمويل غير المشروع ، وتفعيل القرارات الدولية ذات الصلة ، والتحقق من الجهات المتورطة في تقديم الدعم العسكري والعملياتي، بما يعزز حماية سيادة الدول وسلامة المدنيين وأمن الملاحة الدولية.
الخاتمة .
تكشف التقارير المتعلقة بالعلاقة بين الحرس الثوري الإيراني والحوثة عن تهديد إرهابي ذي أبعاد استراتيجية يتجاوز تهريب الأسلحة إلى المشاركة في تحديد الأهداف وتوجيه العمليات، وهو ما يستوجب تحقيقا دقيقا ومساءلة ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته عن التخطيط لهذه الاعتداءات أو تمويلها أو تمكين تنفيذها بصورة مباشرة أو غير مباشرة ضد المملكة العربية السعودية.
وتبقى حماية المملكة وشعبها وصيانة سيادة اليمن واستعادة مؤسسات دولته أهدافا مشروعة ، تتكامل لتحقيقها الجهود العسكرية والدفاعية والدبلوماسية.
حين يلتقي الشر بالشر تتسع دائرة العدوان ، وحين يواجه الحق الباطل تنكشف حقيقة القوة التي تستند إلى الظلم ، فلا كثرة السلاح تمنح العدوان شرعية، ولا امتداد الحرب يجعل الباطل حقا.
قال الله تعالى في محكم التنزيل العزيز الكريم:
﴿ بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ۚ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ ﴾ .
سورة الأنبياء ـ الآية الكريمة رقم ( 18 ) .
