كُتاب الرأي

هرمز يشتعل وباب المندب يترقب…

هرمز يشتعل وباب المندب يترقب…

والسعودية تمسك بخيوط المرحلة

قراءة في المستجدات الإيرانية والتحركات الروسية واتساع جبهات المنطقة

لم يعد ما يجري حول إيران ملفًا محصورًا في طهران وواشنطن. فالمشهد يمتد اليوم من مضيق هرمز إلى البحر الأحمر وباب المندب، ومن طاولة التفاوض إلى ساحات اليمن. والسؤال الذي يفرض نفسه: من يكتفي بمراقبة التحولات، ومن يمتلك القدرة على صياغة ما بعدها؟

في أحدث التطورات، أبقت طهران عرضها بفتح مضيق هرمز خلال سبعة أيام على الطاولة، لكنها ربطته بشروط تشمل رفع الحصار عن موانئها والعقوبات النفطية ووقف القتال على الجبهات الإقليمية. وفي الوقت نفسه، وقع انفجار ناقلة في المضيق بعد اصطدامها بلغم بحري، وفق ما نقلته رويترز عن الإعلام الإيراني؛ وهو تطور يذكّر بأن الحديث عن التهدئة لا يعني أن خطر الملاحة قد زال.

وهنا تعود أسئلة مقالاتي السابقة: هل نحن أمام تفاوض ينهي الأزمة، أم أمام حلقة جديدة من «حوار الطرشان»؟ كتبت عن ذلك في «حوار الطرشان» (27 أبريل 2026)، ثم في «الشيطان الإيراني هو التفاصيل» (25 مايو 2026)، و**«استمرار حوار الطرشان… توم وجيري في مضيق هرمز» (29 مايو 2026)**، ثم «إيران بعد الحرب: هل تغيّر المشروع أم غيّر جلده؟» (26 يونيو 2026). وكان السؤال المشترك: هل تغيّر طهران سلوكها، أم تدير الصراع بجولات من التهديد والتفاوض والتهدئة؟

وفي هذا السياق يحضر المثل العربي القاسي: «فم الكلب لا يطهر وذيله لا ينعدل». أستحضره لوصف ما أراه في نهج السلطة الإيرانية حين يصبح التفاوض وسيلة لكسب الوقت، ثم يبدأ التسويف والالتفاف على الالتزامات بعد الاتفاق. هذه هي المراوغة السياسية التي أقصدها حين أقول «التقية السياسية»: أن تُستخدم لغة التفاوض لامتصاص الضغط، بينما تبقى المواقف على حالها. وهذا نمط حذّرت منه في مقالاتي عن إيران؛ فالعبرة ليست بما يُقال على طاولة التفاوض، بل بما يُنفذ بعدها.

أما موسكو، فتحركت على مسارين متوازيين. ففي المنامة، اجتمع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بوزراء خليجيين، والتقى وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، وبحثوا تصعيد اليمن ومخاطر الملاحة في هرمز وباب المندب. وطرح لافروف إطارًا للأمن الخليجي يقوم على الحوار بين دول الخليج وجيرانها، فيما دعا مجلس التعاون روسيا إلى استخدام علاقاتها بطهران وموقعها الدولي للضغط باتجاه وقف الهجمات والالتزام بالقرارات الدولية.

ثم انتقل لافروف إلى طهران، حيث التقى نظيره الإيراني عباس عراقجي. تحدث عراقجي عن الدبلوماسية وعن ترتيب أمني إقليمي لا يعتمد على وجود قوات أجنبية، وحمّل الولايات المتحدة مسؤولية التوتر في هرمز.

ويعزز هذه القراءة ما أعلنه الكرملين عن اتصال ترمب وبوتن في 9 أكتوبر؛ إذ نقل بوتن خلاله موقف طهران من تسوية محتملة، بالتنسيق مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان. ومن وجهة نظري، يوحي هذا التنسيق بأن زيارة لافروف إلى طهران جاءت ضمن مسار أوسع لاختبار موقف إيران وانتزاع موافقة واضحة أو رفض صريح للمتطلبات المطروحة، لا لمجرد فتح جولة تفاوض جديدة.

فموسكو تتحدث مع طهران، وتنقل موقفها إلى واشنطن، فيما تحاول معرفة ما إذا كانت إيران مستعدة لقبول الشروط أم ستعود إلى المراوغة وكسب الوقت. والقادم، في تقديري، لن يكون مثل السابق؛ وأي مبادرة لا تضمن أمن دول الخليج وحرية الملاحة، ولا تُشرك دول المنطقة في تقرير مستقبلها، ستظل إطارًا ناقصًا.

والجبهة اليمنية تؤكد أن الأزمة تتجاوز حدود المضيق. فقد قُتل ما لا يقل عن 53 جنديًا وأُصيب نحو 200 في هجوم حوثي بصاروخ باليستي على معسكر للقوات الحكومية في شبوة، بحسب مسؤولين يمنيين نقلت عنهم أسوشيتد برس. ومع استمرار التصعيد والحديث عن استهدافات تطال السعودية ومرافق حيوية، يصبح أمن البحر الأحمر وباب المندب جزءًا مباشرًا من أمن الخليج، لا ملفًا يمكن تأجيله.

من هنا، لا أرى الدور السعودي القادم في انتظار تسوية يصوغها الآخرون، بل في قيادة مسار إقليمي يجعل أمن الخليج والبحرين الأحمر والعربي مسؤولية مشتركة، ويجمع بين حماية الملاحة وبناء منظومة ردع وتنسيق وفتح قنوات سياسية واضحة. وقد أظهرت محادثات الرياض مع موسكو في المنامة أن المملكة حاضرة في قلب النقاش حول شكل الأمن الإقليمي، وأن دول الخليج تطالب بأن تكون شريكًا في أي ترتيبات تخص مستقبل المنطقة.

وهذا امتداد لما طرحته في «من هرمز إلى خارك… هل اقتربت إيران من خسارة آخر أوراقها؟» (18 يوليو 2026): الجغرافيا لا تنتظر المترددين. ومن يترك الممرات والملفات الأمنية لغيره، سيجد نفسه أمام خرائط رُسمت من دونه. والسعودية، بما تملكه من ثقل سياسي واقتصادي وموقع يصل الخليج بالبحر الأحمر، تملك فرصة ومسؤولية لصياغة توازن يحمي المنطقة ويمنح شعوبها فرصة للاستقرار والتنمية.

الشرق الأوسط يدخل مرحلة إعادة رسم موازين، لا مجرد تبديل عناوين. والرياض مدعوة لأن تقود هذا التحول بعقل الدولة الواثقة: حزمٌ يحمي السيادة، ودبلوماسيةٌ تصنع الشراكات، ورؤيةٌ تجعل استقرار المنطقة شرطًا لمستقبلها. فمن هرمز إلى باب المندب، لن يكون السؤال من يرفع صوته أكثر؛ بل من يملك القدرة على رسم اليوم التالي.

بقلم: مهندس صالح بن سعيد المرزم
19أكتوبر 2026

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.