الحوثي يفقد زمام المبادأة .

الحوثي يفقد زمام المبادأة .
رؤية تحليلية عسكرية واستراتيجية .
الخميس الموافق ( 22 ) أكتوبر ( 2026 )م .
كتبه ؛ اللواء البحري الركن المتقاعد / عبدالله بن سعيد الغامدي دبلوماسي سابق وخبير في الدراسات الاستراتيجية .
( تبدأ ملامح التراجع العسكري حين يفقد الخصم حرية المبادأة والمناورة، ويضطر إلى استنزاف احتياطاته لحماية مواقعه، بينما تنتقل القدرة على التحكم في مسار المعركة إلى القوات الأكثر تنظيما واقتدارا . )
المقدمة .
تشهد الساحة اليمنية تطورات عسكرية متسارعة ضمن عملية ( فجر اليمن )، مع تصاعد الضغط العملياتي على عصابة الحوثي الإرهابية التخريبية المسلحة المدعومة من النظام الإيراني. وتكتسب هذه التطورات أهميتها من اتساع العمليات الهجومية للقوات المسلحة اليمنية، وما أعلنته من مكاسب ميدانية، بالتزامن مع تزايد الضغوط التي تدفع التشكيلات الحوثية إلى توزيع جهودها بين جبهات متعددة، بما يعزز مؤشرات تراجع قدرتها على التحكم في مسار المواجهات.
1. تعز وانتزاع المواقع .
تتصدر تعز المشهد العسكري، حيث أعلنت القوات الحكومية تحقيق تقدم في جبهات المحافظة، وانتزاع مواقع جديدة خلال العمليات الأخيرة، بالتزامن مع استمرار المواجهات في محيط المرتفعات والمواقع الدفاعية المحيطة بالمدينة.
وتبرز جبهات غراب والدمينة ومحيط المطار القديم والدفاع الجوي غرب تعز ضمن المواقع التي تحظى بأهمية عسكرية، فيما تكتسب المرتفعات الحاكمة قيمتها من إتاحة المراقبة والسيطرة النارية على طرق الاقتراب والإمداد.
ويمثل الاحتفاظ بالمواقع المستعادة وإحباط الهجمات المعاكسة المعيار الحقيقي لتحويل النجاح التكتيكي إلى مكسب عملياتي مستدام، خصوصا مع استمرار محاولات التشكيلات الحوثية استعادة بعض مواقعها.
2. مأرب والجوف وتعدد المحاور .
تواصل القوات الحكومية عملياتها في الجبهات الشمالية والشرقية وغرب مأرب، باستخدام المدرعات والمدفعية والطيران المسير ضد التحركات والتحصينات الحوثية.
وتكتسب محافظة الجوف أهمية استراتيجية بحكم موقعها واتصال طرقها بمحاور مأرب وصنعاء وصعدة، الأمر الذي يجعل التطورات العسكرية فيها مؤثرة في حسابات الانتشار والإمداد على المستوى العملياتي.
وتتمثل أهمية الضغط المتزامن على الجبهات في الحد من قدرة التشكيلات الحوثية على تركيز قواتها، وزيادة الأعباء على احتياطاتها وخطوط إمدادها، وإجبارها على التعامل مع تهديدات متعددة بدلا من توجيه جهدها الرئيسي نحو جبهة واحدة.
3. لحج والساحل الغربي .
تكتسب جبهة كهبوب غرب لحج أهمية عسكرية لارتباطها بمحاور الاقتراب نحو الساحل الغربي، فيما أعلنت القوات الحكومية إحباط هجمات حوثية على امتداد الجبهة الغربية في الساحل وباب المندب، واستهداف تجمعات التشكيلات المعادية ومصادر نيرانها.
وتبرز مناطق رأس العارة وذباب والمخا وجزيرة ميون ضمن المواقع ذات الأهمية الجغرافية والاستراتيجية، نظرا لارتباطها بأمن مضيق باب المندب وخطوط الملاحة الدولية.
ويشكل تأمين المواقع الساحلية والمحافظة على السيطرة النارية على المحاور الحيوية عاملا مهما في تقييد حركة الحوثيين، وتعزيز أمن الممرات البحرية، وحماية المصالح الاقتصادية والتجارية المرتبطة بها.
4. الخسائر وتفكيك القدرة .
بحسب الحصيلة / الحصائل المعلنة من القوات المسلحة اليمنية، فقد أعلن المتحدث العسكري العقيد الركن / ماجد النزيلي يوم ( 21 ) أكتوبر تنفيذ ( 835 ) عملية استهداف خلال ( 24 ) ساعة، أسفرت عن تحييد نحو ( 285 ) عنصرا وقياديا حوثيا، وتدمير وإعطاب نحو ( 190 ) آلية وعربة ووسيلة عسكرية وطائرة مسيرة.
وسبق ذلك إعلان يوم ( 19 ) أكتوبر تنفيذ ( 1164 ) عملية استهداف، وتحييد ( 558 ) عنصرا حوثيا، وتدمير وإعطاب ( 135 ) آلية ووسيلة عسكرية.
وتكشف هذه الحصائل المعلنة عن كثافة الجهد القتالي، مع مراعاة أن مصطلح ( تحييد ) لا يعني بالضرورة مقتل جميع العناصر، وأن عدد عمليات الاستهداف لا يساوي بالضرورة عدد الأهداف التي أصيبت.
وتتحدد القيمة الاستراتيجية لهذه النتائج بمدى تأثيرها في جاهزية التشكيلات الحوثية، وكفاءة القيادة والسيطرة، وانتظام الإمداد، وإمكانات إعادة التنظيم وتجديد القوة.
ويكتسب استهداف منظومات الاتصالات والرادارات ومنصات الصواريخ أهمية عسكرية خاصة، لما قد يترتب عليه من إضعاف الإنذار المبكر والتنسيق الناري وإدارة المعركة، متى ثبتت نتائج الاستهداف.
5. الحرس الثوري وتجديد القدرة .
يمثل الدعم العسكري والتقني الإيراني أحد العوامل المؤثرة في استمرار القدرات الحوثية، خصوصا ما يتعلق بالصواريخ والطائرات المسيرة والخبرات الفنية.
وتتجلى أهمية هذا الدعم في نقل المعرفة التقنية والمكونات والخبرات التي تساعد على تشغيل المنظومات وصيانتها وتطويرها، بما قد يتيح تعويض بعض الخسائر والمحافظة على الجاهزية القتالية.
ومن المنظور الاستراتيجي، فإن تقليص استفادة الحوثيين من مصادر الدعم الخارجي، بالتزامن مع تراجع إمكاناتهم في التعويض والإصلاح، يزيد من تأثير الاستنزاف ويحد من فرص تجديد قوتهم.
6. انتقال زمام المبادأة .
تتمثل المبادأة العسكرية في اختيار توقيت العمليات واتجاهاتها، والتحكم في مسار المعركة، وإجبار الخصم على تعديل خططه والتحول إلى رد الفعل.
وتشير المواجهات المتزامنة في تعز ومأرب والجبهات الجنوبية والغربية إلى تزايد الضغوط على التشكيلات الحوثية، إذ يؤدي تعدد الجبهات إلى زيادة الأعباء على منظومة القيادة والسيطرة، واستنزاف الاحتياط، وتقييد حرية المناورة، وتقليص فرص تركيز الجهد الرئيسي في اتجاه واحد.
ويختلف النجاح التكتيكي المتمثل في استعادة موقع أو إحباط هجوم عن التحول العملياتي الذي يفرض على الخصم إعادة توزيع قواته، ويحد من قدرته على اختيار توقيت الهجوم واتجاهه.
ويتعزز هذا التحول حين تتمكن القوات الحكومية من الاحتفاظ بالمواقع المستعادة، وإحباط الهجمات المعاكسة، وتأمين خطوط الإمداد، والمحافظة على زخم التقدم، بما يمنع التشكيلات الحوثية من استعادة حرية الحركة والمبادأة.
وتبقى وحدة القيادة والتنسيق الميداني والأمن العملياتي وحماية المدنيين عناصر أساسية لاستدامة الإنجازات وتحويلها إلى مكاسب استراتيجية.
الخاتمة .
تكشف التطورات العسكرية عن مؤشرات مشجعة على تقدم القوات المسلحة اليمنية، وما تبذله من جهد جبار وبسالة وجاهزية في مواجهة عصابة الحوثي الإرهابية التخريبية المسلحة، واستعادة مؤسسات الدولة اليمنية الشرعية، مع أهمية الإسناد الذي تقدمه قوات التحالف ضمن مهامها المعلنة.
وتبقى قيمة الإنجازات العسكرية في قدرتها على استعادة الأمن والاستقرار، وتأمين المدن والموانئ وطرق الملاحة، ومنع المعتدي من تجديد عدوانه.
وحين تنتزع القوات اليمنية زمام المبادأة، وتثبت إنجازاتها على الأرض، وتواصل الضغط العسكري المنظم، تتقلص خيارات المعتدي وقدرته على تجديد عدوانه، وتتسع آفاق استعادة الدولة اليمنية لسيادتها ومؤسساتها، وصولا إلى أمن مستدام وسلام يحفظ لليمن وحدته واستقراره .
قال الله تعالى في محكم التنزيل الكريم :
﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾
( سورة البقرة، الآية الكريمة 190 ) .
