كُتاب الرأي

آن الأوان .

آن الأوان .

رؤية تحليلية عسكرية واستراتيجية .

الخميس الموافق ( 22 ) أكتوبر ( 2026 )م .

كتبه ؛ اللواء البحري الركن المتقاعد / عبدالله بن سعيد الغامدي دبلوماسي سابق وخبير في الدراسات الاستراتيجية .

( أخطر من المعتدي الذي يحمل السلاح، من يفتح له الأبواب المغلقة، ويمده بأسرار وطنه، ويوفر له المال والسلاح، ثم يتوارى من وراء الجدران متوهما أن الخفاء يعفيه من المسؤولية والمحاسبة . )

المقدمة .

جاءت مناشدة فخامة الرئيس الدكتور / رشاد محمد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، للمجتمع الدولي بتصنيف عصابة الحوثي الإرهابية التخريبية المسلحة منظمة إرهابية دوليا، لتضع العالم أمام اختبار حقيقي لمصداقية مواقفه، بعدما امتدت اعتداءات الجماعة إلى المنشآت المدنية والسفن التجارية والملاحة الدولية.

لقد آن الأوان أن يتوقف المجتمع الدولي عن مكافأة العدوان بالتردد، وأن ينتقل من بيانات الإدانة إلى إجراءات قانونية وأمنية حازمة، تستهدف منفذي الاعتداءات ومموليهم ومسلحيهم، ومن يعينونهم من وراء الجدران عبر شبكات التمويل والتهريب والتسهيلات التي تمكن الجماعة من تجديد قدراتها العدوانية.

1 – باب المندب ليس رهينة .

يقع مضيق باب المندب بين سواحل دول تتمتع بالسيادة على مياهها الإقليمية، مع خضوع المرور العابر فيه للقواعد المنظمة للمضائق المستخدمة للملاحة الدولية، وفقا للقانون الدولي للبحار.

وتنظم اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام ( 1982 )م، ولا سيما المواد ( 34 ) و( 37 ) و( 38 ) و( 44 )، حقوق الدول المشاطئة وحق المرور العابر، بما يحفظ الملاحة الدولية ويمنع عرقلتها بالمخالفة لأحكام الاتفاقية.

وقد أدان مجلس الأمن في قراره رقم ( 2722 ) لعام ( 2024 )م الاعتداءات الحوثية على السفن التجارية في البحر الأحمر، وأكد أهمية احترام حقوق الملاحة وحرياتها.

وعليه، فإن الملاحة التجارية المشروعة عبر البحر الأحمر وباب المندب ليست منحة حوثية، ولا امتيازا إيرانيا، وإنما حق تنظمه قواعد القانون الدولي، وتستوجب حمايته تعاونا دوليا يحترم سيادة الدول المشاطئة.

2 – إيران ومن وراء الجدران .

إن مواجهة الحوثيين بمعزل عن النظام الإيراني والحرس الثوري تمثل معالجة لنتائج التهديد مع إغفال أحد مصادره الرئيسية.

وتؤكد الحكومة اليمنية الشرعية دور الدعم الإيراني في تطوير القدرات الصاروخية والمسيّرة للجماعة، بما أسهم في توسيع نطاق تهديداتها للملاحة الدولية والمنشآت المدنية.

والسؤال الذي ينبغي توجيهه إلى طهران، بأي حق تقدم أسباب القوة العسكرية لجماعة مسلحة تهدد أمن المنطقة والملاحة الدولية؟

أما من يعينون الحوثيين من وراء الجدران، فإن خطرهم لا يقتصر على تسريب المعلومات العسكرية والأمنية، بل يمتد إلى استخدام الواجهات التجارية والمالية واللوجستية لتسهيل التمويل والتهريب وتوفير المكونات والتقنيات العسكرية.

وتكمن الخطورة الاستراتيجية لهذه الشبكات في قدرتها على إعادة إنتاج التهديد بعد كل ضربة أو خسارة، من خلال تعويض المعدات وتوفير التمويل والمعلومات ووسائل الإمداد، بما يطيل أمد المواجهة ويضاعف أخطارها.

وقد تكون المعلومة التي تصل إلى المعتدي من الداخل أشد فتكا من السلاح الذي يحمله، لأنها تكشف له ما تعجز وسائل استطلاعه عن بلوغه.

فالمتعاون الخفي قد يفتح للمعتدي أبوابا تعجز أسلحته عن فتحها، وأمن المعلومات ركيزة أساسية لحماية الأرواح والمنشآت الحيوية والأمن الوطني.

وكل من يثبت تعمده تقديم معلومات أو تمويل أو تسهيلات لاعتداءات مسلحة، ينبغي أن يخضع للتحقيق والمساءلة وفقا للقانون، مهما كانت صفته أو موقعه.

3 – التصنيف والمحاسبة الدولية .

لقد طالب الرئيس العليمي في ( 19 ) أكتوبر ( 2026 )م الأمين العام للأمم المتحدة بدعم تحرك عبر مجلس الأمن لتصنيف الحوثيين منظمة إرهابية، وتنفيذ حظر توريد الأسلحة إليهم، وتجفيف مصادر تمويلهم وتسليحهم ومحاسبة داعميهم.

وجدد في ( 21 ) أكتوبر دعوته إلى موقف دولي موحد، في ضوء الاعتداءات التي أعلنت الحكومة اليمنية استهدافها المطارات المدنية والأحياء السكنية والملاحة التجارية.

والتصنيف المطلوب ينبغي أن يقترن بإجراءات قانونية فعالة تستهدف شبكات التمويل والتهريب والتسليح، وتعزز التعاون الدولي في تعقب الجهات المتورطة، مع حماية وصول المساعدات الإنسانية إلى المدنيين اليمنيين.

وقد سبق لمجلس الدفاع الوطني اليمني تصنيف الحوثيين منظمة إرهابية عام ( 2022 )م، بينما تهدف المناشدة الحالية إلى توسيع نطاق الإجراءات الدولية وتعزيز فاعليتها.

4 – المسؤولية لا تسقط بالتخفي .

إلى متى يكتفي العالم باعتراض الصواريخ بينما تستمر شبكات الإمداد غير المشروع في توفير أسباب إطلاقها؟

وإلى متى تبقى الجهات التي تمول المعتدي أو تسلحه أو تمده بالمعلومات بعيدة عن التحقيق والمساءلة؟

إن حماية الملاحة الدولية لا تتحقق بمرافقة السفن وحدها، وإنما تستلزم معالجة مصادر التهديد، ومنع تدفق الأسلحة والمكونات العسكرية غير المشروعة، ودعم مؤسسات الدولة اليمنية الشرعية.

والتمييز واجب بين الاختلاف السياسي المشروع وبين التخابر أو تقديم دعم مادي أو استخباراتي فعلي لاعتداءات مسلحة، فالمساءلة تقوم على الأفعال المثبتة والأدلة، وليس على الظنون أو المواقف السياسية.

وقد أظهرت القوات المسلحة اليمنية، بإسناد من تحالف دعم الشرعية بقيادة المملكة العربية السعودية، بسالة واقتدارا في مواجهة التهديدات، وتستحق جهودها دعما دوليا مسؤولا يعزز استعادة مؤسسات الدولة ويحفظ وحدة اليمن وسيادته وسلامة أراضيه.

الخاتمة .

لقد آن الأوان لأن يتحمل النظام الإيراني مسؤولية ما يقدمه من دعم عسكري وتقني إرهابي للحوثيين، وأن تنتقل الإرادة الدولية من إدانة الاعتداءات الإرهابية إلى مساءلة مرتكبيها وإدانتهم وكل من يثبت تورطه في تمويلها أو تسليح منفذيها أو تسهيل وقوعها .

فباب المندب ليس بوابة إيرانية، والبحر الأحمر ليس بحيرة حوثية، والتجارة الدولية ليست رهينة لعصابة مسلحة، واليمن ليس ساحة مستباحة لمشروعات الحرس الثوري الإيراني.

آن الأوان أن يدرك المعتدي الإرهابي ومن يعينه من وراء الجدران أن من يثبت تورطه في تمويل العدوان أو تسليحه أو تسهيل ارتكابه لن يعفيه التخفي من المساءلة، وأن أمن الأوطان وحرية الملاحة الدولية حقوق تحميها القوانين وتصونها إرادة الدول.

قال الله تعالى في محكم التنزيل الكريم :

﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ .

سورة آل عمران، الآية الكريمة رقم ( 139 ) .

كاتب رأي 

اللواء عبدالله بن سعيد الغامدي

أديب سعودي وكاتب رأي وملحق عسكري سابق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.