خواطر

على عَتَباتِ الوَفاء

على عَتَباتِ الوَفاء

ما كانَ الوعدُ هيِّنًا على فؤادي
ولا كانَ الانتظارُ أمرًا تُطيقُهُ النَّفسُ إذا طالَ بها النَّوى
ولكنّي لمّا سمعتُ منه عهدًا
عقدتُ عليه من الرجاءِ ميثاقًا
وجعلتُ الوفاءَ له دَيْنًا لا تُسقِطُهُ الأيامُ
ولا تُبليهِ صروفُ الدهر
أقبلَ الليلُ تلوَى الليل
وأنا أرقبُ مطالعَ الأيّام
وأستقصي من الأفقِ خبرًا
كأنّي أستنبطُ من صمتِ النجومِ نذيرَ قدومه
أو أستقرئُ من هبوبِ الريحِ أثرًا يدلُّني على أنّه دنى فما كانَ لي من الأنسِ إلا ذكرُه ولا من الزادِ إلا أملٌ أقتاتُ به على مَضَضِ الغياب
ولا من السلوةِ إلا خيالٌ أُناجيه حينَ يَجفو المنام
وتستوحشُ الروحُ في جوفِ الدُّجى
ومضتِ الشهور
وتعاقبتِ الأيّام
وانقضتْ من العمرِ برهةٌ لو قُسِّمتْ على الجبالِ لَأَوْهَنَتْ صلابَها
ولو أُلقيَ ثِقلُها على صخرٍ أصمَّ لأنطقَهُ شكوى. وهو على غيابه لا يريم كأنّ بيني وبينه مفازةً لا تُطوى
أو كأنّ العهدَ الذي شدَّ به قلبي إليه قد أضحى سرابًا تلوحُ له العينُ ولا تبلغه اليد
وما أشدَّ على المرءِ أن يُخلفَ الوعدَ مَن ائتمنَهُ على قلبه
فإنّ الغريبَ إذا نأى عُذِر
والقريبَ إذا جفا عُوتِب
أمّا مَن ألقى في الفؤادِ رجاءً ثم ولّى
فقد تركَ في الصدرِ جرحًا لا تُدركُه الأبصار
ولا تُحيطُ بوصفِه العبارة
ولقد علمتُ أنّ للدهرِ صروفًا
وللمنايا آجالًا
وللطرائقِ عوائق
غير أنّي ما علمتُ أنّ للوعودِ أجنحةً تطيرُ بها بعيدًا عن أصحابها
وتتركُ خلفَها قلبًا أسيرًا في أغلالِ الترقّب
ومع ذلك
ما برحَ قلبي على عهده
لا يستلينُهُ اليأسُ وإن ألحّ
ولا يستفزُّهُ العذلُ وإن اشتد
كأنّ الوفاءَ فيه طبعٌ عتيقٌ ورثَهُ عن الأوّلين
أو خُلُقٌ من أخلاقِ العربِ الأُلى
الذين كانوا يرونَ في نقضِ العهدِ مَثْلَبةً لا يمحوها اعتذار وفي صيانةِ الذِّمامِ مكرمةً تعلو على حظوظِ النفسِ ومغانمِ الدنيا
فإن عادَ
وجدَ قلبًا لم تُغيّرهُ الليالي
وإن لم يَعُد
وجدَ في غيابه قلبًا لم يخنْ ما عاهدَ عليه إذ ليس الوفاءُ أن تُكافئَ الوصلَ بالوصل
ولا أن تُقابلَ الإحسانَ بالإحسان
ولكنّه أن تصونَ ما استودعَكَ القلبُ من عهد
وإن ضيّعهُ صاحبُه
وأن تبقى كريمَ النفسِ حينَ يضيقُ بكَ الجفاء
ولعلّي ما عدتُ أنتظرُهُ كما كنتُ فقد علّمتني الليالي أنّ للرجاءِ حدًّا
وأنّ للروحِ كبرياءً لا ينبغي أن يُراقَ على أبوابِ الغائبين
لكنّي
وإن أغلقتُ بابَ الترقّب
لم أُغلقْ بابَ الوفاء
فما كلُّ مَن تأخّرَ نُسي
ولا كلُّ مَن أخلفَ الوعدَ مُحيَ أثرُه
ولا كلُّ قلبٍ أضناهُ الانتظارُ استطاعَ أن يتّخذَ من النسيانِ سلاحًا
فيا مَن وعدتَ ثم أدبرتَ
أما علمتَ أنّ في القلبِ منازلَ لا يبلغُها إلا ذو عهد
وأنّ للانتظارِ سيوفًا ماضيةً وإن لم تُرى
وأنّ أشدَّ الحروبِ وطأةً حربٌ يخوضُها المرءُ بينَ رجاءٍ يأبى الموتَ ويقينٍ يأبى الرّجوع
لقد تركتَني بينَ عهدٍ لا أستحلُّ نقضَه
وغيابٍ لا أملكُ ردَّه
فإن كانَ في عودتِكَ بعضُ إنصاف فعدْ قبلَ أن يُصبحَ اللقاءُ ذكرى وقبلَ أن يغدوَ النداءُ حديثًا للنفسِ لا يبلغُ سمعَك
وإن كانَ للدهرِ فيكَ حكمٌ لا يُردّ
فحسبُكَ أنّ قلبًا في أقصى المدى قد صانَ لكَ عهدًا
وإن لم تصُنْهُ
وحفظَ لكَ من الودِّ ما أضاعَتهُ يداكَ
فأنا، وإن طالَ النوى
لستُ ممّن يبيعونَ العهدَ في سوقِ الخيبة ولكنّي تعلّمتُ أخيرًا أنّ الكرامةَ أن نفيَ بما وعدنا
لا أن نفنى في انتظارِ مَن وعدنا
فما أقسى أن يبقى القلبُ وفيًّا لوعدٍ ماتَ صاحبُه عنه
وما أنبلَ الوفاءَ حينَ يظلُّ حيًّا
وإن ماتَ الرجاء

بقلم  سمية عمر عكاشة
الجزائر

 

 

سميّة عمر عكاشة

أديبة وكاتبة رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.