كُتاب الرأي

فلسفة الحب

فلسفة الحب

سهام حسين القحطاني

عندما يصبح الحب جزءًا من الصراع الفكري مع ذات الإنسان أو مع الآخر، حينها يتحول من عاطفة إلى فلسفة.

والحب هنا يتجاوز العلاقة العاطفية بين الرجل والمرأة، ولا يقصد بهذا التجاوز استثناء هذا العلاقة من نطاق الفلسفة، بل المقصد بالإضافة مع تلك العلاقة، التي قد يحسبها كثيرون أنها خارج منافسة الشر أو التعقيد.

*الحب الذي يصنع منك خطيئة.

هل حب المعرفة أخرج آدم و حواء من الجنة؟.

قد يقول البعض أن “الخروج هنا مقدر قبل الفعل” وأنا أتفق مع هذا القول، لكن تحقق الأقدار مرتبط بتوافر الأسباب، وارتكاب الوقائع، فالقدر حتمي بالحدث، لا على نحو مطلق.

إن “حب المعرفة والاكتشاف وتحدي المجهول” هو الذي دفع آدم وحواء إلى تجاوز لوحة المحظور والأكل من الشجرة؛ فبعض المعارف خطايا، ومع ذلك فإن حبنا وشغفنا للكشف عن المعرفة المظلمة بالخطيئة قد توقعاننا في الشر والعقاب.

*الحب الذي يصنع منك لعنة.

هل حب الذات طرد إبليس من الجنة؟.

صحيح أن الطرد مقدر قبل الفعل؛ لتحقيق واقعية الخير والشر في الأرض وتسطير جداول الاختيار، واختبار تجارب الإيمان ومصفوفات الخطأ والصواب، لكنه يكشف لنا “حب الذات” عندما يتجاوز الحدود الآمنة للذات السوية إلى حب أسود يخلق من الذات الفاسدة إلهًا من الباطل يتحول إلى شر مطلق يُلغي الآخر ويسعى إلى تدميره بكل طريقة ليظل صاحبه معادلة أحادية تستحوذ على كامل التأثير والسلطة، فكم من حب إنساني خلفه غاية شيطاني.

*الحب عندما يحول الآخر إلى جحيم.

إن حب الذات أقوى من رابط الأخوة أحيانا، قتل قابيل أخاه هابيل ليس لأنه يكرهه، بل لأنه كشف له قيمة ذاته الحقيقية من خلال تجربة واقعية تتمثل في نوع العمل المقبول والمرفوض، هذه المواجهة الذي رأي فيها قابيل ذاته الفاسدة في مرآة أخيه، ومقدار الألم الذي حطم حبه لذاته وتوهمه لسمو قيمتها، هي التي دفعته إلى قتله لأخيه حتى يخفي مصدر المرآة التي تعكس فساد ذاته.

وحتى بحثه عن طريقة لدفن أخيه لم يكن نابعًا من حبه له؛ بل لإخفاء المصدر الذي يعزز ثبوت ذاته الفاسدة، وليظل متوهما بأفضليته على أخيه ولو كان ميتًا.

إن بعض الحب وهم يغطي منطقة الفساد داخلنا، ومتى ما وجدنا من يكشف تلك المنطقة

 و يواجهنا بها، تحولت علاقتنا معه إلى صراع، وأصبح ذلك الآخر هو الجحيم لنا.

*الحب عندما يكشف ضعف السلطة و يتحداها؟

كانت زليخة زوجة العزيز امرأة جميلة، وكان يوسف عليه السلام من رعايا زوجها العزيز،

كان شابا جميلا، وهي امرأة جميلة تملك المكانة والسلطة، ولم يكن اعتداؤها عليه من أجل الحب ذاته، بل لاختبار قوة سلطتها في السيطرة على القيمة المتاحة أمامها الشباب والجمال،

 وعندما اكتشفت أن هذه القيمة التي ظنتها متاحة أقوى من سلطتها، زجت بيوسف عليه السلام في السجن؛ لتُثبت لذاتها الفاسدة أن قيمة سلطتها هي الأقوى من قيمة الشباب والجمال.

عندما يتحول الحب إلى سيف لقياس قوة سلطتنا نقع في فخ الفتنة والغواية.

*الحب عندما يتحول إلى فرصة استثمار.

بعيدا عن مسألة واقعية هذه القصة أو كونها  من خيال الشاعر، فإن حب عنترة لعبلة  مرتبط  بكمال  حبه لذاته، وليس لعبلة في ذاتها ، ولولا ذلك لأحب امرأة من طبقته و من لونه ،لكنه اختار ابنة عمه التي تنتمي إلى طبقة اجتماعية عالية و امرأة بيضاء حرة؛ فهو الشاعر و الفارس الذي تتغنى ببطولاته  القبائل العربية، وهي مكانة شعبية كانت محصورة على سادة القبائل، واختياره لامرأة من طبقته ولونه يفسد صورة اسطورته كبطل، وحتى يتجاوز عنترة عقدة كونه عبدًا، ويتساوى من سادة القبائل، أحب عبلة، حبًا يرفع من شأن ذاته إلى مصاف السادة القبائل، ويٌكمل به أسطورة بطولته؛ فعبلة لم تكن سوى الحب الذي يترقى من خلاله ليدخل نادي السادة.

فالحب هو الاختبار الحقيقي الذي يُجدّول الذوات الفاسدة والذوات الصالحة، وأوضح النماذج لتحليل الطبيعة الإنسانية المنقسمة بين الخير والشر.

كاتبة رأي 

سهام حسين القحطاني

أديبة وكاتبة رأي سعودية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.