في المبتدأ كان الوطن

في المبتدأ كان الوطن
سهام حسين القحطاني
” التعليم مسؤولية وطنية”.
منذ ارتباط التعليم بالوجود الإنساني، لم يكن مقصده الأول هو تحقيق المعرفة وإن كان هذا المقصد ضمن مقاصده الأساسية وأولوياته، بل كان مقصده الأول والأهم ترسيخ قيم هوية الجماعة وواجباتها ومسؤولياتها، أو ما نسميه اليوم “الثقافة الوطنية”.
وكان التعليم أساسًا لترسيخ هذا المقصد وتحويله من مجموع من الوجدانيات إلى صياغة معرفية موثقة سميت “العقد الاجتماعي” بين أفراد الجماعة الواحدة، وتأسست في ضوئه “هوية الجماعة”.
فقد عاشت الجماعات الإنسانية في أطوارها الأولى في مكان واحد، لا يفصل بينها حدود جغرافية أو تاريخية أو ثقافية أو اقتصادية، وهو ما يعني فوضى تؤثر على هوية الجماعة الواحدة، وتفرغ أفرادها من أطر الولاء والانتماء لذات الجماعة.
ومن هنا جاءت فكرة حكماء كل جماعة المتمثلة في رسم حدود جغرافية وتاريخية وثقافية واقتصادية لجماعتهم، وكان التعليم الوسيلة المثلى لتحقيق وحدة الجماعة.
وقد أسهم الاستقرار الجغرافي لكل جماعة في تأسيس هويتها الجغرافية أولا، أو ما نسميه اليوم “بالوطن”.
ومن هنا بدأت حكاية تأسيس هوية الأفراد وتحولهم من مجرد أعدد بشرية إلى “مواطنين” لهم وطن خاص بهم.
ولكن مفهوم الوطن لم يقتصر على الماهية الجغرافيا، بل امتد إلى بناء تاريخه الخاص الذي يروي بطولات أبنائه ودفاعهم عنه، ونماذج الأبطال وأفعال التضحيات، ليؤسس عبر تلك النماذج والأفعال مُحفزات الانتماء والولاء.
وفي حيّز الجغرافيا والتاريخ وفي ظلهما نشأت ثقافة الجماعة وحضارتها الخاصة، وبعدها تم تأسيس أوعية النظام التعليمي، حتى تحافظ عبر الأجيال على قيمة جغرافية وتاريخ وثقافة وحضارة الجماعة.
فقد أدرك الإنسان قديما “أن وجود وطن” هو مبتدأ كل ثقافة وحضارة.
لقد أدركت الشعوب الأولى أن التعليم هو “مصدر خلود” أوطان الشعوب وهو مصدر تأسيس وتعزيز الولاء والانتماء.
وهو إدراك غير منتهى الصلاحية، فهو ساري المفعول في كل زمان ومكان.
إن التعليم ليس مجرد مجموعة من المعلومات المعرفية فقط، ولا يقتصر دوره المعرفي على هذا المسار، بل هو أولا وأخيرا إرساء “أسس شخصية متعلّمة” ملتزمة بقيمها الدينية والوطنية والثقافية والتاريخية، وقادرة على توظيف مستجدات العلم والمعرفة والابتكار في تطوير تلك القيم وتجديدها مع المحافظة على أصالتها.
إن المتعلّم يلتحق بالتعليم النظامي منذ سن الرابعة أو الخامسة ويتخرج من المرحلة في سن السادسة عشرة أو السابعة عشرة؛ أي أنه يقضي ربع حياته في التعليم العام، وهو الربع الأول الذي يُعدّ مرحلة محورية في تشكيل وعيه الوطني والفكري والثقافي.
وهذه الفترة الزمنية التي هي بمثابة المنطقة البيضاء الفارغة التي يُمكننا أن نُسهم خلالها في تشكيل وعيه وفق أرقى الأفكار والولاءات والانتماءات، وأفضلها و أجملها.
أو لنقل: إنها التربة الخصبة التي نستطيع أن نبذر أجود بذور القيم والأخلاق والاتجاهات، وأن تغرس فيها الاقتداء بالنماذج الحسنة والاهتداء بها.
لذا كان التعليم وما يزال مسؤولية وطنية يحملها بشرف ومثابرة كل معلم ومعلمة؛ مسؤولية بناء شخصية متعلمة معتزة بعقيدتها ووطنها وتاريخه وثقافته ومنجزاته، بناء وعي شخصية متعلمة معتزة بانتمائها إلى وطنها وملتزمة بالمحافظة عليه
والدفاع عنه بالكلمة والسلوك والهمة.
واليوم يقف التعليم أمام اختبار حقيقي لمسؤوليته الوطنية، في تعزيز الوعي الوطني وترسيخ مسؤوليات المواطنة وواجباتها، فحب الوطن هو فكر وسلوك أولا.
ففي الأزمات يصبح الجنود هم اليد اليمني للدفاع عن الوطن بسلاح المدفعيات
والطائرات والتعليم اليد اليسرى للدفاع عن الوطن بسلاح الوعي، ليحافظا معًا على (وطن يتربع بينهما في قلب يحميه الحب والولاء والانتماء والتضحية).
وطن نتنافس في حبه ونتكاتف في الدفاع عنه.
