كُتاب الرأي

التعليم في “عصر المعرفة”

التعليم في “عصر المعرفة”

سهام حسين القحطاني

قبل مئات السنين سبق المفكر العربي ابن خلدون علماء نظريات التعلّم الحديث بقوله أن “التعليم صناعة تهدف إلى اكساب المتعلم ملكة التفكير و الفهم،و ليس لمجرد الحفظ و التلقين”.

وبذلك أدرك مؤسسو نظريات التعلّم في العصور الإسلامية المفهوم الحقيقي للتعليم، و كانت النتيجة عشرات من العلماء الذين مازال صدى أسمائهم  يتردد اليوم في الجامعات العالمية، ومئات من الابتكارات و الأفكار التنويرية التي بُنيت عليها أعظم المنجزات العلمية العالمية، ومنها نظرية الخوارزميات ” للعالم جعفر الخوارزمي” التي أصبحت تتحكم في حضارة اليوم.

 إذن كل مبتدأ حضاري يبدأ من مقاعد التعليم.

واليوم لم يعد التعليم كوجود تحديًا مثل العقود السابقة، بل التحدي في “الكيف و الأثر” وفي هذا التحدي تتنافس الشعوب على كأس الفوز بالتعليم المستقبلي.

في عصر المعرفة يُصبح التعليم هو مصدرالتحديّ ؛أي أن الحصول على “المعلومة” في ذاته لا يمثل قيمة إذا لم نعرف كيف نحولها إلى “مشروع علمي و فكري استثماري”  و نبني من خلالها “اقتصادًا حضاريًا” وهنا تأتي مسؤولية التعليم

كيف نعلّم الطلاب الاستفادة من المعلومة التي حصلوا عليها، و تحويلها إلى مشروع علمي و فكري؟.

 وهذه المسؤولية بدورها تتطلب من التعليم استراتيجيات و طرائق تدريس تفتح المجال أمام كل طالب ليستفيد من المعلومة التي يحصل عليها، و كيف يحولها إلى مشروع فكري و علمي تنافسي.

لكن هل هذا ما يحدث في فصولنا الدراسية؟

إن المشكلة التي قد تكون مرئية أو غير مرئية، تكمن في طريقة تعاملنا؛ سواء أكنا معلمين ومعلمات أم طلابًا وطالبات، مع المعلومة ذاتها.

 فالمعلمون و المعلمات يحرصون على وصول المعلومة إلى الطلاب و الطالبات، و تتمثل قيمة التحقق لديهم في “الوصول في ذاته” باعتبارها مصدرًا “للتقويم” لا أقل ولا أكثر، وكأن تحقق ذلك الوصول هو الكفاية المقصودة من قيمة المعلومة و المؤشر الداعم لتحقيق الفهم.

وفي المقابل يعتقد الطلاب والطالبات أن حفظ “معلومة الوصول” هو الكفاية المقصودة من قيمة المعلومة، وهو الذي يدعم تحقق مؤشر النجاح في مستواه الاستقصائي.

 وهنا نعود بطريقة غير مباشرة إلى أقدم ثنائية في التعليم الإنساني “التلقين و الحفظ” رغم كل الاستراتيجيات و الطرائق الحديثة التي نطبقها، فمهما زُينت الطرق وزرعت جوانبها بالأزهار و لونت أرصفتها ،ما نزال نعود إلى النتيجة ذاتها، التي كانت تمر بها المعلومة في زمن الطرق الوعرة و الأتربة اليابسة.

وبهذه الطريقة يهدر المعلمون والطلاب ” قيمة المعلومة بوصفها مشروعًا علميًا و فكريًا محتملًا قيد الإنشاء”؛ من خلال تحجيزها في إطار “التلقين و الحفظ” في نسختهما الجديدة.

إن المعلومة التي يحصل عليها الطالب،في رأيه هي مجرد وسيلة للحصول على “درجة النجاح والتفوق” وهو رأي لا يمكن أن نحصر انتقاده في الطالب وحده، بل يشمل الانتقاد الأسرة التي  تتحمل شيوع ذلك الرأي و تحوله إلى معيار مطلق للتقييم، وكذلك المدرسة و الذهنية المجتمعية التقليدية.

إذن نحن أمام منظومة غير داعمة للتعليم بمفهومه في زمن “عصر المعرفة”.

 إن مشكلة التعليم لا تكمن في عدم قدرته على توفير أحدث مناهج و وسائل و استراتيجيات و طرائق تقديم المعلومات، بل المشكلة في الفكر التقليدي الذي يحكم الممارسات التدريسيةـ وما يزال يسيطر على الكثير من المعلمين و المعلمات داخل الفصول الدراسية، ويتمثل هذا الفكر في الاعتقاد بأن قيمة المعرفة هي الحصول علي المعلومة، وليس تعليم الطلاب و الطالبات كيف يحولون تلك المعلومة إلى منتج معرفي جديد يستثمر الإمكانيات المطلقة لعصر المعرفة، و ينتج من خلالها معرفة جديدة تنافسية.

إن التعليم محاط بكم هائل من المعلومات و البيانات وكأنه تحول إلى “مجموعة من الخوارزميات”، لكن مقدار ما يجمعه من المعلومات و البيانات لا يستطيع أن ينظمه بالطريقة الصحيحة التي تمكنه من اصدار منتج معرفي عالي الجودة  يطور خصوصيتنا العلمية و الفكرية في سوق ضخم مزدحم بالتنافس المعرفي وبجودة عالية.

كاتبة رأي 

سهام حسين القحطاني

أديبة وكاتبة رأي سعودية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.