السفر… حكايات لا تنساها الذاكرة

السفر… حكايات لا تنساها الذاكرة
بقلم: بكري عساس
ليس السفرُ ابتعاداً عن المكان بقدر ما هو اقترابٌ من الحياة؛ ففي الطرق البعيدة تتسع الرؤية، وتنكشف معادن الناس، ونتعلم دروساً لا تمنحنا إياها قاعات الدراسة. وقد تبقى من رحلة قصيرة حكايةٌ واحدة، لكنها تسكن الذاكرة عمراً كاملاً.
في منتصف ثمانينيات القرن الميلادي الماضي، سافرت إلى ولاية أوهايو الأمريكية لدراسة اللغة الإنجليزية في دورة امتدت شهرين، وكانت على نفقتي الخاصة. كنت في الثامنة عشرة من عمري، وقد بدأت العمل في مكة المكرمة منذ الثالثة عشرة، أتعلم مبكراً معنى الكد والمسؤولية. جمعت بعض المال بجهدي، وأعانني الوالد، رحمه الله، بجزء آخر؛ لذلك كنت أحسب حساب كل ريال ودولار أنفقه، وأنا بعيد عن أهلي وموطني.
اشتريت دراجة نارية مستعملة لأتنقل بها بين السكن والسوق ومكان الدراسة. وفي أحد أمسيات الصيف، ذهبت إلى منطقة بحيرة إيري، شمال مدينة كليفلاند، حيث متنزه واسع تزدحم فيه العائلات والزوار، وتنتشر المطاعم والمقاهي. كنت أؤمن أن إتقان اللغة لا يتحقق بالدروس وحدها، بل بمخالطة الناس والحديث إليهم والاستماع إلى تجاربهم.
وبينما كنت أتأمل المكان، أشار إليّ رجل من أحد أكشاك الطعام. اقتربت منه، فعرفت أنه مهاجر من أصول فلسطينية، من مدينة بيت لحم، يكنّى أبا محمود، ويبيع الكباب والكفتة. وبعد أن أخبرته أنني من أبناء مكة، وأنني طالب في دورة لغوية قصيرة، عرض عليّ مساعدته في العمل مساء الجمعة ويومي السبت والأحد، مقابل خمسة دولارات عن كل يوم، مع وجبة عشاء وأخرى أحملها إلى السكن لوقت الحاجة.
اتصلت بالوالد، رحمه الله، أستشيره، فشجعني قائلاً: «توكل على الله». وهكذا بدأت العمل مع أبي محمود، الذي عاملني كأحد أبنائه. وعلى مدى ثمانية أسابيع، تعلمت منه أكثر من البيع وخدمة الزبائن؛ تعلمت حسن التعامل، والصبر، واحترام اختلاف الناس، وتحمل المسؤولية. وكانت المحادثات اليومية فرصة عملية لتحسين لغتي الإنجليزية، حتى شعرت أن ما اكتسبته في ذلك الكشك الصغير يفوق أحياناً ما تعلمته في قاعة الدرس.
كان أبو محمود في الخمسينيات من عمره، وقد تزوج حديثاً من امرأة أمريكية. وبعد أن توطدت علاقتنا، عرض عليّ البقاء في كليفلاند بعد انتهاء الدورة. كان عرضه دليلاً على طيبته ومودته، وبقي أثر معاملته الكريمة في نفسي. ومن فضل الله أنني أنهيت رحلتي دون أن أنفق شيئاً من المال الذي ادخرته؛ فقد كان العمل يوفر لي دخلاً وطعاماً، بينما منحتني التجربة رصيداً من الخبرة لا يقاس بالدولارات.
استمر التواصل بيننا بعد عودتي، وساعدته لاحقاً في أداء فريضة الحج. وكان يشيد بي أمام الوالد كلما التقاه، فأشعر بالامتنان لهذا الرجل الذي لم تجمعني به قرابة، لكن جمعتنا المودة والوفاء. ثم علمت بعد سنوات أنه انتقل إلى رحمة الله، فدعوت له، وبقي اسمه ومواقفه حاضرين في ذاكرتي.
علمتني تلك الرحلة أن السفر مدرسة مفتوحة، وأن المعرفة قد تنتظرنا في متجر صغير كما تنتظرنا في جامعة كبيرة. إنه يوسع المدارك، ويقوي الاعتماد على النفس، ويكسبنا مرونة في التعامل مع الثقافات والطبائع المختلفة. وقد ننسى أسماء الشوارع وتفاصيل الأيام، لكننا لا ننسى إنساناً أحسن إلينا، أو موقفاً غيّر فينا شيئاً. فالسفر الحقيقي ليس ما تقطعه الأقدام من مسافات، بل ما نعود به من نضج وخبرة وذكريات تظل مضيئة كلما استدعيناها.
وهكذا أدركت أن أجمل ثمار الرحلات ليست في الصور والهدايا، بل في صداقات صادقة، ومواقف نبيلة، وحكمة ترافقنا أينما مضينا طوال العمر.
كاتب رأي
