كُتاب الرأي

العلم المحفوظ والعلم المفهوم

العلم المحفوظ والعلم المفهوم

جناحا المتعلّم إلى المجد

بقلم: بكري بن معتوق عساس

جناحان يرفعان المتعلّم إلى سماء المجد والشرف: علوّ الهمّة، والفهم العميق للعلم. فليس التفوّق بكثرة ما يحفظ الإنسان من معلومات فحسب، بل بقدرته على فهمها، واستيعاب معانيها، وتحويلها إلى سلوك وعمل.

العلم علمان: محفوظٌ ومفهوم. أمّا المحفوظ، فقد يتقنه صاحبه كما يتقن الكتاب المطبوع؛ يردد ما سمعه من غير أن ينفذ بالضرورة إلى معناه. والحفظ ملكة نافعة، لكنها لا تكفي وحدها دليلاً على الفهم أو الحكمة؛ فقد يقوى المرء على استظهار المعلومات، بينما يعجز عن تحليلها أو التمييز بين صحيحها وسقيمها.

ومن هنا نفهم سرّ كثرة المتعلّمين وقلّة من يترجمون علمهم إلى عمل. فالمعلومة إذا فُهمت حقّ الفهم لم تبقَ كلماتٍ في الذاكرة، بل استقرّت في العقل والوجدان، وأثّرت في القرار والسلوك. لذلك لا يُقاس العالم بما يحفظه وحده، وإنما بما يفهمه، وبما يظهر أثر علمه في أقواله وأفعاله، وبقدرته على التمييز والنقد والتفسير.

وقد ينتقل الحافظ بالمعلومة كما تلقّاها، من غير أن يتبيّن معناها أو يتحقّق من صحتها؛ وربما جمع في ذاكرته المتناقضات، والصحيح والزائف، من دون ميزان يفرّق بينها. أمّا الفهم فيمنح صاحبه بصيرةً تمكّنه من فحص ما يقرأ ويسمع، وربط الجزئيات بأصولها، وإدراك المقاصد والنتائج. فالحفظ أداة مهمة، لكنه ينبغي أن يكون طريقًا إلى الفهم، لا غايةً ينتهي إليها التعلّم.

والعلم المفهوم هو الذي يفتح أبواب الإبداع والنبوغ؛ فالعلماء لا يضيفون إلى المعرفة بالحفظ وحده، بل حين يطرحون سؤالًا جديدًا، أو يكشفون حقيقة، أو يصححون خطأ، أو يبتكرون منهجًا. ولن يبلغ المتعلّم هذه المنزلة إلا إذا صاحب علمه بإخلاص وصبر وشغف، وأقبل عليه بعقل متأمل، لا بعقل ينظر إليه بوصفه وسيلةً إلى منصب أو راتب فحسب.

فالعلم لا يزدهر في قلبٍ لا يشغله إلا ترقّب المناصب وحساب المكاسب؛ إذ يحتاج إلى وقتٍ وتأملٍ ومثابرة، وإلى رغبة صادقة في المعرفة لذاتها، ثم تسخيرها لنفع الإنسان والمجتمع. وكلما ازداد الفهم رسوخًا، ازداد صاحبه قدرةً على العمل بما علم، وعلى مراجعة أفكاره، وتواضعه أمام ما يجهل.

وخلاصة القول: إن الحفظ بداية الطريق، والفهم روحه وغايتُه. فإذا اجتمع علوّ الهمّة إلى الفهم، امتلك المتعلّم جناحين يحلّق بهما نحو المجد؛ فلا يكتفي بتكرار ما قاله السابقون، بل يسعى إلى إدراك المعنى، وتمحيص الدليل، وإضافة لبنةٍ جديدة إلى صرح المعرفة. فالعالم الحق ليس وعاءً للمعلومات فحسب، بل عقلٌ يفهم، وضميرٌ يهتدي، وعملٌ يشهد بأن العلم قد تجاوز الذاكرة إلى الحياة.

كاتب رأي 

 

 

معالي الدكتور بكري عساس

مدير جامعة أم القرى سابقا وأديب سعودي وكاتب رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.