نحن طويق

لا تكن وقوداً للشائعات

لا تكن وقوداً للشائعات

كيف نحمي وعينا ونحفظ وطننا من حملات التضليل؟.

—————————————

بقلم: البروفيسور فيصل عبدالقادر بغدادي. أستاذ جامعي سابق ـ مستشار وباحث في التخطيط الإستراتيجي والقيادة.

—————————————
في أوقات التوترات ، لا تقتصر التحديات على الأحداث نفسها بل تمتد إلى ما ينشر حولها من أخبار وشائعات وتأويلات. فالكلمة قد تطمئن الناس إذا استندت إلى الحقيقة، وقد تثير القلق إذا بُنيت على معلومات مجهولة المصدر أو استنتاجات متسرعة. ولهذا فإن الوعي في التعامل مع الأخبار مسؤولية فردية ووطنية لا تقل أهمية عن متابعة الأحداث ذاتها.
ومن الملاحظ أنه ليس كل ما ينتشر عبر منصات التواصل الاجتماعي حقيقة وليس كل حساب يكتب بثقة يمتلك دليلاً. فقد تنشر صورة قديمة على أنها حديثة أو يقتطع تصريح من سياقه أو يقدَّم تحليل شخصي لأحدهم على أنه معلومة مؤكدة. لذلك، ينبغي التحقق من تاريخ الخبر ومصدره والرجوع إلى الجهات الرسمية والمصادر الموثوقة قبل تصديقه أو إعادة نشره.
ومن المهم أن نميز بين ما ثبت وقوعه، وما يراه الكاتب أو المحلل من وجهة نظره وفكره وما لا يتجاوز التوقع أو التخمين. الخلط بين هذه الأنواع يفتح الباب أمام التضليل ويجعل القارئ يتعامل مع الاحتمالات وكأنها حقائق. وإذا غابت الأدلة فالأمانة تقتضي التريث والاعتراف بأن المعلومة غير مؤكدة  بدلاً من الجزم بما لا نعلم.
مما لا ينبغي أن ننجرف خلف حسابات الحاقدين والحاسدين  والمضللين، أو نتسابق إلى الرد على كل ما ينشرونه. فبعض الحسابات تعتمد على الأخبار المفبركة والعبارات الاستفزازية لجذب التفاعل وإثارة البلبلة. وقد يؤدي نقل منشوراتها بقصد تفنيدها إلى توسيع انتشارها من دون فائدة حقيقية.
والتعامل الأفضل يختلف باختلاف الحالة بمعنى إذا كان المنشور محدود الانتشار فقد يكون التجاهل أجدى؛ وإذا احتوى على معلومة خاطئة يتداولها الناس فالأفضل تصحيحها بهدوء مع إرفاق مصدر موثوق أما إذا تضمن تهديداً أو انتحالاً أو محتوى مخالفاً فيمكن الإبلاغ عنه عبر المنصة والجهات المختصة لأن الهدف ليس الدخول في كل جدال بل تقليل أثر التضليل وحماية الناس من المعلومات المغلوطة.
ويجب أن نعي بأن الاختلاف لا يبرر التجريح .. والرد القوي لا يحتاج إلى ألفاظ مهينة. فمن يملك دليلاً يعرضه ومن لديه معلومة موثوقة يوضح مصدرها أما تبادل الشتائم والاتهامات فلا يكشف الحقيقة ولا يقنع المتردد.  لذا ينبغي نقد المحتوى والسلوك بناءً على ما يمكن إثباته، لا على الظنون وحدها.
ولا ينبغي أن ننجرف إلى تسجيل الأحداث ورصد كل صغيرة وكبيرة لمجرد الرد على الحاقدين وإثبات خطأ ادعاءاتهم؛ فليس من واجبنا أن نلاحق كل شائعة أو أن نحوّل يومياتنا إلى مادة للرد على كل من يتربص بالوطن. إننا لسنا مطالبين بتفنيد كل ادعاء، ولا بتقديم أدلة شخصية على كل ما يُثار؛ فالأخبار تُؤخذ من مصادرها الموثوقة، والوقائع تُترك للجهات المختصة لتوضيحها. أما الحسابات التي تتغذى على التضليل فلا ينبغي أن نمنحها من وقتنا واهتمامنا ما تسعى إليه. فثقتنا لا تُبنى على ردود الفعل، وموقفنا من وطننا لا يحتاج إلى أن نثبتَه للحاقدين مع كل إشاعة بل نتحلى بالوعي، ونلتزم بالمعلومة الموثوقة ونترك للحقائق أن تتحدث.
فعند انتشار أخبار تتعلق بالأمن أو المسؤولين أو المنشآت الحساسة، يصبح التثبت أكثر أهمية. فلا يصح تأكيد خبر أو نفيه من دون دليل، ولا ينبغي تداول تفاصيل غير موثقة قد تسبب القلق أو تضر بالمصلحة العامة. الأفضل متابعة البيانات الرسمية، والامتناع عن نشر المواقع أو الصور أو المعلومات الحساسة التي قد تُستغل على نحو ضار مع تجنب تحويل المخاوف الشخصية إلى استنتاجات عامة.
محبة المملكة العربية السعودية لا تقتصر على الشعارات بل تظهر في تحرّي الصدق، واحترام الأنظمة وحماية المجتمع من الأخبار الكاذبة وتقديم المصلحة العامة على الرغبة في الانتصار لجدال عابر.. ومن حق كل مواطن أن يعبّر عن رأيه لكن من واجبه أيضاً أن يتحرى الدقة وألا ينشر اتهامات أو أخباراً لا يستطيع التحقق منها.
ولا يعني الاعتزاز بالوطن الغالي تجاهل الأسئلة أو منع النقاش المسؤول بل يعني أن يكون النقاش قائماً على الحقائق وأن يعالج الخطأ بالدليل وأن تُترك الأخبار الأمنية للجهات المعنية حين تكون تفاصيلها غير متاحة للعامة. فالمجتمع الواعي لا تهزّه كل رسالة متداولة ولا يستمد موقفه من عدد الإعجابات أو إعادة النشر.
تبقى المملكة العربية السعودية ذات مكانة عظيمة في قلوب المسلمين؛ ففيها مكة المكرمة، مهوى أفئدة المؤمنين، وفيها المسجد الحرام والكعبة المشرفة، ومنها تتجه قلوب المسلمين في صلواتهم. وفيها المدينة المنورة، التي تحتضن المسجد النبوي الشريف، مسجد نبينا محمد عليه أفضل الصلاة وأتم السلام. وهذه المكانة الدينية والتاريخية تجعل الاعتزاز بالمملكة أمراً مفهوماً لدى أبنائها ومحبيها كما تجعل المحافظة على أمنها واستقرارها مسؤولية تتطلب الحكمة والانضباط والوعي. فخدمة الوطن تكون بالعمل الصادق، واحترام الأنظمة، وحماية المجتمع من التضليل وعدم الانسياق وراء ما يُنشر قبل التحقق منه.
إن أفضل مواجهة للشائعات ليست في تكرارها أو تضخيمها، بل في التثبت من مصادرها، وتصحيح الخطأ حين تدعو الحاجة، وتجنب نشر ما لا دليل عليه. وبهذا نحفظ حق الناس في معرفة الحقيقة ونحد من القلق غير المبرر ونجعل منصات التواصل مساحة للمعلومة المسؤولة بدلاً من أن تكون ساحة للفوضى.
حفظ الله المملكة العربية السعودية، وأدام عليها نعمة الأمن والأمان وحفظ قيادتها وشعبها، ووفق الجميع لما فيه خير البلاد والعباد.

كاتب رأي

البروفيسور فيصل عبدالقادر بغدادي

أديب وكاتب رأي وأستاذ جامعي سابق في جامعة أم القرى ومستشار وباحث في التخطيط الاستراتيجي والقيادة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.