عزّ الدين الجلدكي

عزّ الدين الجلدكي
عالمٌ سبق عصره في الكيمياء
بقلم: بكري عساس
ليست الحضارات صفحاتٍ تُطوى في كتب التاريخ، بل عقولٌ تظلّ آثارها حيّة، تمدّ جسور المعرفة بين الأزمنة، وتذكّرنا بأن نور العلم لا تحدّه قرون. ومن بين أولئك الذين تركوا بصمةً في مسيرة العلوم، يبرز عزّ الدين بن علي الجلدكي، أحد علماء المسلمين في القرن الثامن الهجري، ممن انشغلوا بالكيمياء والنبات، وجعلوا من البحث والقراءة سبيلًا لفهم أسرار الطبيعة.
اختلفت كتب التراجم في تاريخ مولده وموطنه؛ فثمّة من ينسبه إلى مصر، ولذلك عُرف بالمصري، بينما يرجع آخرون أصله إلى قرية جلدك في خراسان، بإيران. غير أن اختلاف الروايات حول بدايات حياته لم يحجب مكانته في تاريخ الكيمياء، ولا شغفه بالمعرفة الذي قاده إلى قراءة مؤلفات العلماء ودراستها ومناقشتها.
كان الجلدكي شديد الإعجاب بجابر بن حيان، حتى إنه أطلق عليه لقب «الإمام»، ودرس نحو اثنين وأربعين من مؤلفاته، وكتب تعليقات وتفسيرات للمسائل التي رآها غامضة. كما اطّلع على أعمال أبي بكر الرازي وغيره من العلماء، وعُرف باهتمامه بدقة النقل وتوثيق المعرفة؛ وهي خصلة أكسبت مؤلفاته قيمة لدى عدد من مؤرخي العلوم. ومع ذلك، اتسم أسلوبه بالعمق والتخصص، حتى وجده بعض القرّاء قريبًا من الألغاز، إذ كان يكتب بلغة تتطلب معرفةً سابقة بمباحث الكيمياء.
وتذكر أطروحة مانوشهر تسليمي للدكتوراه في جامعة لندن، عام 1954م، أن الجلدكي أمضى سبعة عشر عامًا في رحلاته العلمية. وتشير إلى صلته بمدرسة أبوتيج الكيميائية في مصر، التي ارتبطت بالطبيب والكيميائي ذي النون، في وقت عُرفت فيه أبوتيج، التابعة لمحافظة أسيوط، بنشاطها العلمي والصناعي.
وتنسب الرواية التي يعرضها المقال إلى الجلدكي إسهامًا مبكرًا في شرح قانون النسب الثابتة في الاتحاد الكيميائي، وهو القانون الذي ارتبط لاحقًا باسم الكيميائي الفرنسي جوزيف بروست، الذي جاء بعده بقرون. كما يُذكر أنه طوّر طريقةً لفصل الذهب عن الفضة باستخدام حمض النيتريك، وأنه عبّر في قصيدة عن تصوّر للذرة شبّه فيه بنيتها بالمجموعة الشمسية. وتكشف هذه الإشارات عن عقلٍ جمع بين التأمل النظري والملاحظة العملية، في زمن كانت فيه أدوات البحث محدودة، وكانت المعرفة تُصان بالكتابة والنسخ والتداول.
خلّف الجلدكي عددًا من المؤلفات، من بينها «البدر المنير في معرفة أسرار الإكسير»، الذي ألّفه في دمشق سنة 739هـ، و«نتائج الفكر في أحوال الحجر»، الذي ألّفه في القاهرة سنة 741هـ؛ وهو ما يوحي بكثرة تنقله بين المدينتين. وقد أورد المؤرخ الأمريكي جورج سارتون في كتابه «المدخل إلى تاريخ العلوم» عناوين أخرى من كتبه، منها «البرهان في أسرار علم الميزان»، و«المصباح في علم المفتاح»، و«نهاية الطلب في شرح المكتسب في زراعة الذهب». ولا يزال جانب من تراثه محفوظًا في صورة مخطوطات، بما يجعل دراسته وتحقيقه مهمةً متجددة للباحثين.
أما تاريخ وفاته، فقد اختلفت فيه المصادر؛ إذ تذكر بعض الروايات سنة 754هـ، بينما أورد المستشرق الألماني كارل بروكلمان أنه توفي سنة 762هـ. ويبقى الجلدكي شاهدًا على مرحلةٍ ازدهرت فيها المعرفة بالقراءة والرحلة والمناظرة، وعلى علماء لم تكن شهرتهم دائمًا بقدر ما تركوه من أثر. إن استعادة سيرته ليست احتفاءً بالماضي فحسب، بل تذكيرٌ بأن العلم تراكمٌ إنساني، وأن إنصاف روّاده يبدأ بقراءة آثارهم وتحقيقها، ثم وصلها بأسئلة الحاضر وتطلعات المستقبل.
كاتب رأي
