المركبات والمشاة

المركبات والمشاة
حين تتسع المدينة للإنسان
بقلم: د. بكري عساس
ليست المدن مجرد طرقٍ تتقاطع، ومركباتٍ تتدفق، وإشاراتٍ تنظّم حركة العابرين؛ فالمدينة الناجحة هي التي تمنح الإنسان حقه في الحركة بأمان وراحة، وتوازن بين حاجته إلى المركبة وحاجته إلى المشي والهواء النقي والفضاء العام. ومن هنا تبدو تجربة بعض المدن العالمية جديرة بالتأمل؛ إذ لم يعد معيار تطورها عدد السيارات في شوارعها، بل مقدار ما توفره من خيارات تجعل الإنسان قادرًا على الوصول إلى وجهته بسهولة، دون أن تكون المركبة الخاصة خياره الوحيد.
يعيش على الأرض البريطانية نحو 68 مليون نسمة عام 2022م، هم مجموع سكان بريطانيا، منهم نحو 8.5 مليون نسمة يعيشون في مدينة لندن العاصمة البريطانية وحدها، أي ما يقارب 12.5% من إجمالي سكان بريطانيا. ومن مشاهداتي الشخصية، خاصة في وسط المدينة، لاحظت أن عدد المشاة يبدو أكبر من عدد المركبات التي تجوب الطرقات ليل نهار؛ ويعود ذلك إلى انتشار وسائل المواصلات العامة في أرجاء المدينة بمختلف أنواعها، من حافلات وقطارات ودراجات هوائية وغيرها، إضافة إلى مساراتها المحددة فوق الأرض وتحتها وعلى جانب الطريق، فضلًا عن الأرصفة العريضة والنظيفة المخصصة للمشاة، وانتشار المقاعد المريحة وبجوارها سلال النفايات، حتى يتمكن المشاة من أخذ قسط من الراحة عند شعورهم بالإرهاق.
ولذلك يستطيع الشخص الذهاب إلى أي مكان في المدينة باستخدام وسائل المواصلات العامة وبأسعار مشجعة للغاية؛ فالهدف ليس الربح فحسب، وإنما تشجيع الناس على استخدام المواصلات العامة بدلًا من مركباتهم الخاصة، وهو ما يخفف من الازدحام ويمنح المشاة مساحة أكبر للحركة، ويجعل المدينة أكثر ملاءمة للإنسان.
وفي أوروبا، تصدرت لوكسمبورغ عناوين الصحف عام 2019م، حين أعلنت اعتزامها إتاحة جميع وسائل النقل العام في المدينة مجانًا، ودخل هذا القرار حيز التنفيذ عام 2020م. وصرح وزير النقل في لوكسمبورغ وقتها بأن تخفيف حدة الازدحام المروري وتحسين البيئة كانا من الدوافع الرئيسية وراء القرار، إضافة إلى أبعاد اجتماعية أخرى؛ إذ إن تكاليف المواصلات تلتهم جزءًا لا يستهان به من رواتب الموظفين، ومن ثم رأت الحكومة أن إتاحة المواصلات العامة بالمجان للجميع يمكن أن تكون أحد الحلول المناسبة.
ومن جانب آخر، فإن ارتفاع أسعار الوقود في الآونة الأخيرة شجع هو الآخر سكان المدن على استخدام المواصلات العامة، وهو توجه يمكن أن يسهم في تقليل الاعتماد على المركبات الخاصة، والحد من استهلاك الوقود، وخفض الأعباء المالية على الأفراد.
وبالنظر إلى بعض مدننا العربية حاليًا، نجد مثلًا مدينة دبي في دولة الإمارات العربية المتحدة؛ فبحسب الأرقام الواردة في المقال، يبلغ عدد سكان المدينة نحو 2.4 مليون نسمة، ويبلغ عدد المركبات المسجلة نحو 540 مركبة لكل ألف نسمة، أي ما يقارب مركبة لكل شخصين، مقارنة بنحو 213 مركبة لكل ألف نسمة في مدينة لندن، أي ما يقارب مركبة لكل أربعة أشخاص.
والأجمل من ذلك تزايد عدد مركبات الأجرة التي تعمل بالطاقة الكهربائية، مع تحديد نهاية عام 2028م حدًا أقصى، بحسب ما يورده المقال، وبعدها لن يُسمح بالعمل إلا للمركبات التي تعمل بالطاقة الكهربائية. إن قلة عدد المركبات في لندن، وزيادة عدد مركبات الأجرة العاملة بالطاقة الكهربائية، أسهما بوجه عام في تقليل العادم الناتج من المركبات التي تعمل بالوقود التقليدي، والذي يُعد من مصادر تلوث البيئة، إضافة إلى تقليل الهدر المالي من ميزانية الدولة والأفراد.
إن تجربة المدن التي تعطي المشاة والمواصلات العامة مكانتهما في منظومة الحياة اليومية تفتح بابًا مهمًا للتفكير في مستقبل مدننا. فالمدينة التي تُحسن تنظيم العلاقة بين المركبة والمشاة لا تصبح أكثر هدوءًا فحسب، بل أكثر إنسانية أيضًا. وحين تتوافر وسائل نقل عامة ميسرة، وأرصفة آمنة، ومساحات مريحة للمشاة، ومركبات أقل تلويثًا، فإن الطريق لا يعود مجرد مساحة لعبور السيارات، بل يتحول إلى جزء من جودة الحياة. وربما يكون السؤال الأهم الذي ينبغي أن نطرحه عند تخطيط مدن المستقبل: هل نبني مدنًا تزداد فيها المركبات، أم مدنًا تتسع فيها الحياة للإنسان؟
كاتب رأي
