كُتاب الرأي

سبعون عامًا… والخلاف ما زال قائمًا!

سبعون عامًا… والخلاف ما زال قائمًا!

بقلم: بكري عساس

وصلتني هذه الكلمات الطريفة عبر أحد الأصدقاء على تطبيق الواتساب، ويقول مرسلها إنه تجاوز السبعين، ومع ذلك لا يزال الخلاف قائمًا داخل جسده حول تحديد عمره الحقيقي! وقد أعجبتني الفكرة بما تحمله من خفة ظل وصدق في تصوير المفارقة بين روحٍ شابة وجسدٍ تذكّره السنوات بحساباتها؛ فأحببت أن أشاركها مع القراء.

بعد أن قاربت الخامسة والسبعين، اكتشفت أن خلافًا حادًا يدور داخل جسمي حول تحديد عمري الحقيقي، ويبدو أن القضية لن تُحسم قريبًا!

فالقلب والفؤاد مصرّان على أنني ما زلت شابًا؛ أفرح باللقاء، وأتحمس للسفر، وأحب الضحك والحكايات، وتزورني الأفكار والمشروعات وكأن العمر أمامي بلا حدود. أما الركب والمفاصل، فلديها نسخة موثقة من تاريخ الميلاد، ولا تتردد في تقديمها كلما خطرت للقلب فكرة شبابية!

ما إن يتحمس القلب لمشروع جديد حتى تبدأ المفاصل بإرسال رسائلها الخاصة: طقطقة هنا، ووجع هناك، ثم يأتي ضيق النفس أحيانًا مؤيدًا للاعتراض؛ وكأنها تعقد اجتماعًا طارئًا لتقول: «الحماس ممتاز… لكن دعنا نراجع الإمكانات أولًا!»

أما السكر والضغط والكوليسترول، فقد شكّلوا فيما بينهم لجنة دائمة لمراقبتي، واجتماعاتها مفتوحة على مدار الساعة! أتناول قطعة حلوى فيعترض السكر، وأزيد الملح قليلًا فيرتفع الضغط، وأقترب من طبق دسم فيظهر الكوليسترول ليعلن أن له رأيًا لا بد من أخذه في الحسبان!

وهكذا أعيش بين فريقين: قلب يحسب العمر بالعشرين، وجسد يحتفظ بكل الوثائق الرسمية التي تثبت عكس ذلك.

والأطرف أن هذا الخلاف يتوقف مؤقتًا حين ألتقي بالأصدقاء القدامى. نستعيد أيام المدرسة والجامعة والسفر والعمل، وتعود الحكايات والذكريات، وتتعالى الضحكات، فنشعر جميعًا أننا عدنا إلى العشرين… إلى أن يحين وقت مغادرة المجلس! عندها تبدأ رحلة النهوض على مراحل: مرحلة لفك الظهر، وأخرى لإقناع الركبتين، وثالثة للتأكد من أن جميع الأجزاء قررت التعاون!

ومع ذلك، فإن أجمل ما في هذه المرحلة أن يتقدم العمر من دون أن تشيخ الروح. ليس المطلوب أن ننكر أعمارنا أو نتحدى أجسادنا؛ فللجسد حق علينا في الرعاية والرفق، ومن الحكمة أن نصغي إلى إشاراته، ونعتني بصحتنا، ونمشي بقدر استطاعتنا، ونخفف ما يضرنا.

لكن العناية بالجسد لا تعني التقاعد من الفرح، ولا من الضحك والسفر ولقاء الأحباب، ولا من التعلم واكتشاف الجديد. فالتقاعد من العمل مفهوم، أما التقاعد من الحياة فلم أجد له، حتى الآن، نظامًا يلزمنا به!

لذلك سأترك القلب يحتفظ بالعمر الذي يحبه، وأمنح الركب والمفاصل حق الاعتراض، وأتعامل مع السكر والضغط والكوليسترول بالحكمة والالتزام، لا بالمشاجرات اليومية. فالسنوات تُسجَّل في الأوراق، والشيب يلوح في الشعر، والعمر يترك أثره على الجسد؛ أما شباب الروح، فلا يعرف تاريخ الميلاد، ولا يعترف بالأرقام ما دام في القلب متسع للأمل والفرح.

كاتب رأي 

 

 

 

 

 

معالي الدكتور بكري عساس

مدير جامعة أم القرى سابقا وأديب سعودي وكاتب رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.