كُتاب الرأي

سرقة الكتب

سرقة الكتب

شغف المعرفة أم اعتداء على الحقوق؟

بقلم: د. بكري بن معتوق عساس

تنتشر ظاهرة سرقة الكتب بين بعض الأدباء والمثقفين، حتى إن بعضهم يتعامل معها بوصفها عادة طريفة أو «سرقة مشروعة» بدافع الشغف بالقراءة. غير أن حب المعرفة، مهما بلغ، لا يمنح صاحبه حق الاستيلاء على كتب الآخرين؛ فالكتاب قيمة فكرية، لكنه أيضًا ملك لصاحبه أو للمكتبة التي تتيح الانتفاع به.

وليست هذه الظاهرة جديدة أو محصورة في بلد بعينه. فقد أشار الكاتب الأرجنتيني ألبرتو مانغويل، في كتابه «تاريخ القراءة»، إلى الدوق الإيطالي غولييلمو ليبري، الذي اشتهر بسرقة الكتب وجمعها، ثم بيع بعضها. كما عرف التاريخ لصوصًا استولوا على آلاف الكتب، مثل الأمريكي ستيفن كاري بلومبيرغ، الذي سرق أكثر من 23 ألف كتاب، قُدّرت قيمتها بملايين الدولارات، وانتهى به الأمر إلى السجن.

وفي أوساط المثقفين، تتباين المواقف من هذه الممارسة. فهناك من يبررها بالفقر وارتفاع أسعار الكتب، ولا سيما في سنوات الشباب، حين تكون الرغبة في القراءة أكبر من القدرة على الشراء. وقد اعترف الروائي العراقي شوقي كريم حسن بأنه سرق كتبًا كان يتوق إلى قراءتها، مستذكرًا ضيق الحال الذي عاشه جيله. لكنه يظل تفسيرًا للدافع، لا تبريرًا للفعل؛ فالحاجة إلى المعرفة لا تلغي حقوق الآخرين.

في المقابل، يرفض كتّاب آخرون هذا السلوك بوضوح. ويرى الروائي السوري جان دوست أن سرقة الكتب اعتداء لا يمكن تبريره، وقد روى أنه أخذ كتابًا من معرض جامعي في شبابه لعدم امتلاكه ثمنه، ثم غادر المكان خائفًا وخجلًا، مؤكدًا أنه لو كان يملك ثمنه لما فعل ذلك. وتكشف هذه الحكاية أن الشغف بالكتاب قد يفسر لحظة الضعف، لكنه لا يمحو الشعور بالخطأ.

ولا تقل استعارة الكتب ثم الامتناع عن إعادتها خطورة عن السرقة المباشرة؛ إذ يروي كتّاب أن بعض المستعيرين يحتفظون بالكتب سنوات طويلة، بل إن أحدهم استعار من مكتبة الكاتب إبراهيم اليوسف نحو مئتي كتاب ولم يُعِد أيًّا منها. فالإعارة تقوم على الثقة، وحين تتحول إلى استيلاء صامت تتضرر العلاقة بين القراء، ويصبح أصحاب المكتبات أقل استعدادًا لإعارة كتبهم.

وقد لخّص الكاتب الفرنسي جان جينيه، المعروف بسجله الحافل بالسرقات، المفارقة بقوله إنه حين سُئل عن ثمن كتاب أخذه، أجاب بأنه لا يعرف ثمنه، لكنه يعرف قيمته. غير أن معرفة قيمة الكتاب ينبغي أن تقود إلى احترامه واحترام مالكه، لا إلى انتزاعه منه.

إن مواجهة هذه الظاهرة تبدأ بتعزيز ثقافة احترام الملكية، وتوسيع فرص الوصول إلى الكتب عبر المكتبات العامة، ومبادرات تبادل الكتب والإعارة المنظمة، وتوفير نسخ رقمية قانونية بأسعار مناسبة. فالكتاب لا ينتصر له من يسرقه، بل من يقرأه ويحفظه ويتيح للآخرين الانتفاع به. والشغف الحقيقي بالمعرفة لا يحتاج إلى خفة يد؛ بل إلى أمانة تصون حق المؤلف والناشر والمكتبة والقارئ معًا.

كاتب رأي 

 

معالي الدكتور بكري عساس

مدير جامعة أم القرى سابقا وأديب سعودي وكاتب رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.