السيسي أخطأ العنوان…

السيسي أخطأ العنوان…
باب المندب أمنٌ مصري
هذه ليست دعوة إلى زجّ الجيش المصري في حرب بلا حساب، ولا مطالبة بتجاوز الدستور أو القفز على دور البرلمان. إنها دعوة إلى النظر إلى الخطر كما هو، وإلى إدراك أن ما يجري عند باب المندب لا يخص السعودية وحدها؛ فاضطراب البحر الأحمر يمتد أثره إلى قناة السويس، وإلى الاقتصاد المصري، وإلى أمن المنطقة كلها.
حين تتحرك بريطانيا وفرنسا وإيطاليا لتقديم ما تستطيع لحماية السعودية وأمن البحر الأحمر، فهي لا تفعل ذلك مجاملةً عابرة، بل لأنها تدرك أن اضطراب المنطقة يمس مصالحها، وأن انتظار الخطر حتى يطرق أبوابها ليس سياسة حكيمة. وقد تختلف حسابات هذه الدول ودوافعها، لكن موقفها يطرح سؤالًا لا يجوز تجاهله: إذا كانت دولٌ بعيدة ترى أن عليها التحرك، فأين الموقف المصري، وهو الأقرب جغرافيًا والأكثر اتصالًا بممرات البحر الأحمر؟
ومن المعيب أن يتأخر الصوت المصري عن مواقف دول لا تربطها بمصر روابط الأخوة والجوار التي تجمعها بالسعودية. فالمملكة لا تستجدي دعمًا، ولا تقف عاجزة تنتظر من ينقذها؛ لكنها مواقف الوفاء والذوق والأدب بين الأشقاء. وليس المطلوب من المصريين أن يفعلوا ما تفعله بريطانيا أو فرنسا أو إيطاليا حرفيًا، بل أن يكونوا في مقدمة من يعلن موقفًا واضحًا، ويقدم ما يراه مناسبًا لحماية أمن المنطقة ومصالح شعبه.
لماذا؟ لأن مصر ليست بعيدة عن هذا الخطر. قناة السويس ليست تفصيلًا في الجغرافيا، بل شريان اقتصادي حيوي. وقد قال وزير الخارجية المصري إن هجمات البحر الأحمر تسببت بخسائر تُقدّر بنحو 16 مليار دولار من إيرادات القناة. فكيف يُقال للمصري إن ما يحدث عند باب المندب شأن سعودي فقط، بينما تصل كلفة اضطرابه إلى الاقتصاد المصري مباشرة؟
لقد أُعلن استعداد مصر لمساندة السعودية، وطُلب انعقاد البرلمان للنظر في التفويض. وهذا موقف ينبغي أن يُؤخذ بجدية، لكن احترام الدستور والمؤسسات لا ينبغي أن يتحول إلى ستار للتسويف، ولا إلى مبرر يبقى خلفه الموقف معلّقًا. ومن حق المصريين أن يسألوا: ما حدود المهمة؟ من يحدد أهدافها؟ كيف تُحمى القوات المصرية؟ وما الضمانات السياسية والعسكرية؟ هذه أسئلة مشروعة، لكن من المشروع أيضًا أن نسأل: ما كلفة التردد؟ وما الذي يعنيه ترك جماعات مسلحة تهدد الملاحة في ممر يربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي؟
وهنا أقولها بوضوح: في تقديري، لم يكن موفقًا أن يُطرح الموقف المصري للرأي العام بصيغة «الدفاع عن السعودية»، وكأن المسألة خدمة تُقدَّم للمملكة أو استجابة لطلبها. فالسعودية لا تنتظر من أحد أن يدافع عنها، ولا سيما من الرئيس السيسي، ولا تحتاج إلى منّة من أحد. كان الأجدر بالرئيس أن يخاطب المصريين من زاوية مصلحتهم هم: إن حماية البحر الأحمر وباب المندب حمايةٌ للعمق الاستراتيجي المصري، ولأمن قناة السويس، وللاقتصاد المصري، وللملاحة التي ترتبط بها مصالح شعب مصر.
وكان يمكن للرئيس أن يوضح هذه الحقيقة، وأن يضع أمام البرلمان مهمةً محددة الأهداف والمدة والضمانات، ثم يطلب من مؤسسات الدولة اتخاذ ما يلزم لحماية أمن مصر. أما أن يبقى الخطاب معلّقًا بين إعلان الاستعداد وانتظار التفويض، فيفتح الباب للتسويف والجدل، ويجعل المصريين يتساءلون: هل يدرك صانع القرار أن ما يحدث عند باب المندب يمسّ أمن مصر مباشرة، أم يُقدَّم إليهم الأمر على أنه شأن سعودي بعيد؟
إن احترام البرلمان لا يعني أن تظل الدولة بلا موقف واضح، ولا أن يُترك الخطر حتى يقترب من قناة السويس كي يُفهَم أثره. فالبرلمان يناقش حدود المهمة وضماناتها، لكن مسؤولية تحديد المصلحة الوطنية وشرحها للشعب تبدأ من الرئيس. والدول تتحرك حين ترى مصالحها وأمنها مهددين؛ فلا تجعل تحركها منّةً على أحد، بل تشرحه لشعوبها باعتباره حمايةً لمصالحها. وهذا هو المنطلق الذي كان ينبغي أن يسمعه المصريون: لسنا نتحرك لأن السعودية عاجزة، بل لأن أمن مصر يبدأ من أمن البحر الأحمر.
يا أهل مصر، لا تجعلوا الخلاف على شكل المساندة يحجب أصل القضية. ناقشوا الوسائل والحدود والضمانات، لكن لا تحوّلوا النقاش إلى ذريعة للصمت. أما تكرار الشعارات، وإطالة الجدل البرلماني، واستدعاء عبارة «مسافة السكة» من دون أن يتبعها موقف واضح، فلن يغيّر حقيقة أن الحوثي يهدد المصريين أيضًا؛ فقناة السويس وملاحة مصر واقتصادها من أوائل المتضررين من اضطراب البحر الأحمر.
ولا تليق بمصر، بتاريخها وثقلها وموقعها، أن تكتفي بمراقبة الآخرين وهم يقررون شكل أمن المنطقة. فالاستقلال لا يعني الوقوف بعيدًا عن كل أزمة، بل أن تعرف الدولة أين تقع مصالحها، وأن تختار موقفها بإرادتها، وأن تعلنه لشعبها بوضوح. أما ترك الآخرين يشرحون للمصريين لماذا يهمهم باب المندب، فذلك لا يليق بمكانة مصر ولا بوعي شعبها.
إن «مسافة السكة» لا تُقاس بالكيلومترات، بل بوضوح الموقف حين تتقاطع المصالح. ونصرة السعودية ليست منّةً عليها، كما أن أمن مصر ليس تفصيلًا في حسابات الرياض. أمن المملكة يمس أمن البحر الأحمر، واستقرار البحر الأحمر يمس الملاحة، والملاحة تمس قناة السويس، وقناة السويس تمس الاقتصاد المصري. هذه مصالح متشابكة، ومن يتعامل معها كأنها ملفات منفصلة قد يكتشف متأخرًا أن الخطر لا يحترم الحدود التي رسمها في خطابه.
البحر الأحمر ليس ممرًا على هامش الجغرافيا المصرية، وباب المندب ليس آخر الطريق؛ إنه أوله. ومن يترك الباب الجنوبي للبحر يضطرب، لا ينبغي أن يتفاجأ حين تصل أصداء الاضطراب إلى السويس.
بقلم: مهندس صالح بن سعيد المرزم
22 أكتوبر 2026
