كُتاب الرأي

عباس بن فرناس

عباس بن فرناس

حين حاول الإنسان أن يلامس السماء

بقلم: بكري بن معتوق عساس

ليست صفحات التاريخ مجرد سجلٍّ للأحداث، بل هي ذاكرةٌ تحفظ لنا محاولات الإنسان الأولى للخروج من حدود المألوف، وتروي حكايات أولئك الذين سبقوا زمانهم، فتركوا وراءهم أسئلةً أكبر من عصرهم. ومن بين هذه الحكايات تبرز قصة عباس بن فرناس، العالم والشاعر والمخترع الأندلسي، الذي لم يكتفِ بالتأمل في السماء، بل حاول أن يجعل من الحلم وسيلةً للتحليق إليها.
نشأ عباس بن فرناس في الأندلس في القرن الثالث الهجري، واشتهر بتعدد اهتماماته العلمية والفكرية. ولم يكن اهتمامه بالطيران نزوةً عابرة، وإنما جاء ضمن شغف أوسع بفهم الطبيعة ومحاكاة بعض ظواهرها. وتشير المصادر التاريخية إلى أنه صنع لنفسه جناحين، واختبر بهما محاولةً للتحليق من مكان مرتفع في قرطبة نحو عام 875م، في تجربة تُعد من أقدم المحاولات الموثقة للطيران البشري بالأجنحة الصناعية. وقد تمكن من البقاء في الهواء لبعض الوقت قبل أن يسقط، فأصيب، وعاش بعد تلك التجربة سنواتٍ عدة.
ولم يكن الطيران وحده ميدان اهتمامه؛ فقد ارتبط اسمه بعدد من الأعمال والابتكارات التي تعكس اتساع أفقه العلمي. وتُنسب إليه محاولات في صناعة الزجاج الشفاف من الرمل، والعمل في مجال العدسات، والاهتمام بمراقبة النجوم وحركاتها، كما تُذكر له صناعة جهاز لقياس الوقت، إلى جانب اهتمامه بصناعة نماذج فلكية تُعين على فهم حركة الأجرام السماوية. وبعض هذه الروايات تختلف في تفاصيلها بين المصادر، ولذلك فإن الإنصاف التاريخي يقتضي التمييز بين ما ثبت في الروايات القديمة وما نُسب إليه في المصادر اللاحقة.
أما تجربة الطيران، فقد بقيت أشهر ما ارتبط باسمه؛ لأنها تكشف عن عقلٍ لم يرضَ بحدود الممكن في عصره. فالرجل لم يكن يملك علماً حديثاً بالديناميكا الهوائية، ولا موادَّ متطورة، ولا وسائل أمان، ومع ذلك امتلك الجرأة على تحويل الفكرة إلى تجربة. ويُروى أن تجربته كشفت له، بعد السقوط، أهمية التحكم في الهبوط، وهو درسٌ ظل حاضراً في تطور محاولات الطيران اللاحقة.
ولهذا فإن قيمة عباس بن فرناس لا تكمن في القول إنه «اخترع الطائرة» بالمعنى الحديث؛ فهذا توصيف لا تدعمه الدقة التاريخية، وإنما تكمن في أنه كان من أوائل من خاضوا تجربة عملية في محاولة الطيران البشري، وأنه جسّد روحاً علمية تؤمن بأن الفكرة لا تكتمل إلا حين تُختبر. ومن هنا بقي اسمه حاضراً في الذاكرة العلمية والحضارية، بوصفه واحداً من أولئك الذين حاولوا أن يحوّلوا المستحيل إلى سؤال، والسؤال إلى تجربة.
إن حكاية عباس بن فرناس ليست حكاية رجلٍ سقط من السماء فحسب، بل حكاية عقلٍ رفض أن ينظر إلى السماء باعتبارها سقفاً نهائياً للطموح. وربما كان أعظم ما تركه لنا أن المعرفة لا تتقدم بالخوف من الفشل، وإنما بالمحاولة والتجربة والتعلم من الخطأ. لقد سقط ابن فرناس، نعم، لكنه ترك وراءه فكرةً لم تسقط: أن الإنسان يستطيع، بالعلم والخيال والشجاعة، أن يوسّع حدود الممكن.

كاتب رأي

 

 

معالي الدكتور بكري عساس

مدير جامعة أم القرى سابقا وأديب سعودي وكاتب رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.