راديو غرافنحن طويق
فلسفة طويق

فلسفة طويق
فيصل مرعي الكثيري
طويق ثابت في موضعه منذ أزمنة بعيدة، ونحن نستعير اسمه للحديث عن الطموح والحركة وتجاوز الصعاب. تبدو المفارقة جديرة بالتأمل: كيف يصبح جبل لا يتحرك رمزا لأمة تتطلع إلى المستقبل؟ لعل الإجابة تكمن في اختلاف معنى الصلابة بين الصخر والإنسان. فالصخرة تحتفظ بمكانها مهما تبدلت الظروف، أما الإنسان فتظهر صلابته حين يستطيع الحفاظ على عزيمته، حتى وهو يغير أفكاره ووسائله. فهل يكون الإنسان أكثر قوة حين يتمسك بما اعتاده، أم حين يمتلك الشجاعة لمراجعة ما اعتقد يوما أنه مستحيل؟
يستطيع الأب أن يورث ابنه بيتا وأرضا واسما، وقد يورثه شيئا آخر يصعب الانتباه إليه: الحدود التي رسمتها تجاربه لما يراه ممكنا. يقول له حين يفكر في مشروع جديد: ((هذا الطريق ليس لنا))، فيتراجع الابن احتراما لخبرة أبيه، وربما خوفا من تكرار إخفاقاته. والأب حين يقدم نصيحته يستحضر سنوات عاشها، وفرصا فاتته، ومحاولات انتهت بخيبة. وهو يظن أنه يحمي ابنه من مشقة عرفها. لكن كيف تتحول تجربة إنسان في ظروف معينة إلى حكم على مستقبل إنسان يعيش في ظروف مختلفة تماما؟
التجربة تمنح صاحبها معرفة نافعة، وقد تدفعه أيضا إلى المبالغة في الثقة باستنتاجاته. فمن خسر تجارته بسبب نقص التمويل قد يختصر تجربته كلها في نصيحة واحدة: ابتعد عن التجارة. ومن عرف مهنة حين كانت محدودة الفرص قد يستمر في التحذير منها بعدما تتغير أحوالها. وتمضي السنوات، وتنسى الأجيال الأسباب التي صنعت تلك المخاوف، وتحتفظ بالتحذيرات نفسها. وقد يبلغ الأمر أن يتبنى الإنسان حدودا لم يختبرها بنفسه، ويقضي عمره حذرا من أبواب لم يحاول فتحها. والأغرب أن الإنسان قد يقضي سنوات يشكو صعوبة الطريق الذي سلكه، ثم يستاء حين يجد أبناءه يسيرون فيه بجهد أقل. تسمعه يقول: ((نحن تعبنا حتى وصلنا، وعليكم أن تتعبوا مثلنا)). كأن سهولة الوصول تنتقص من قيمة ما تحمله من عناء. يصبح الألم القديم مقياسا للاستحقاق، حتى إن بعض الناس يطالبون أبناءهم بمعاناة كانوا يتمنون الخلاص منها. وربما يخشى الإنسان أن تفقد تجربته قيمتها حين يصبح ما أنجزه متاحا لغيره بسهولة. لكن ما قيمة التقدم الذي نصنعه إذا كنا نصر على أن يبدأ القادمون من النقطة التي بدأنا منها؟
الواقف عند سفح طويق يرى حافة صخرية عالية، وقد يظن أن ما وراءها يشبه ما يراه أمامه. وحين يبلغ أعلاه تتسع رؤيته، ويكتشف امتدادا من الأرض كان غائبا عن عينيه. الجبل هو الجبل، والذي تغير موقع الإنسان منه. ونحن نفعل شيئا مشابها حين نصدر أحكامنا على الحياة انطلاقا مما عرفناه، ثم نكتشف أن العالم أوسع من تجاربنا. وقد يكون أشد ما يحد من طموح الإنسان اقتناعه بأن ما عرفه هو كل ما يمكن معرفته، وأن الطريق الذي تعذر عليه عبوره سيظل متعذرا على من يأتي بعده. الثبات على القيم يختلف عن الجمود عند الوسائل. فالأمانة والعدل واحترام الحقوق قيم تستحق المحافظة عليها، أما الطرق التي نعمل بها ونتعلم وندير شؤوننا فتتغير بتغير المعرفة والظروف. وقد يتعامل الإنسان مع عادة اجتماعية كما يتعامل مع قيمة أخلاقية، أو يدافع عن أسلوب قديم في العمل لأنه اعتاده سنوات طويلة. وربما يشعر أن مراجعة رأيه اعتراف بأن خبرته كانت ناقصة، مع أن الخبرة نفسها تنضج حين يستطيع صاحبها اكتشاف ما فاته. واحترام تجارب السابقين لا يقتضي أن نكرر اختياراتهم، خصوصا حين تتغير الأسباب التي دفعتهم إليها.
شهدت السعودية خلال السنوات الأخيرة تحولات جعلت هذه المسألة حاضرة في حياة أسر كثيرة. فقد فتحت رؤية 2030، بما صاحبها من مشروعات وتوسع في قطاعات اقتصادية ومهنية مختلفة، آفاقا أعادت تشكيل تصورات الناس عن العمل والفرص والنجاح. ويمكن ملاحظة جانب من هذا التحول في الأحاديث اليومية داخل البيوت. فالتخصص الذي كان يثير استغراب الأب قد يصبح مجال عمل لأحد أبنائه، والمشروع الذي كان يبدو مغامرة غير مأمونة قد يتحول إلى فرصة تستحق الدراسة. وحتى السؤال المعتاد الذي يواجه به الشاب بعد تخرجه: ((أين ستتوظف؟))، أصبح يتسع أحيانا للحديث عن مشروع يفكر فيه، أو مهارة يتعلمها، أو مجال مهني لم يكن مألوفا لدى الجيل السابق. اتساع الخيارات يغير أيضا علاقتنا بالطموح. فقد كان كثير من الناس يختارون أعمالهم مما يعرفونه عن قرب، أو مما اعتادت أسرهم ممارسته. واليوم يستطيع الشاب الاطلاع على تجارب ومهن ومشروعات تتجاوز محيطه المباشر. لكن كثرة الخيارات لا تجعل النجاح مضمونا .. فالموهبة تحتاج إلى تعليم يصقلها، والفكرة تحتاج إلى من يختبرها، والمشروع يحتاج إلى بيئة تسمح بالتجربة وتحفظ الحقوق. يستطيع الإنسان أن يتخيل نفسه على القمة، ويظل الوصول إليها مرتبطا بما يمتلكه من معرفة، وما يبذله من عمل، وما يتاح له من فرص.
كلمة ((نحن)) في مبادرة ((نحن طويق)) تحمل مسؤولية تتجاوز الاعتزاز بالطموح الفردي. فالمجتمع الذي يطمح إلى التقدم يحتاج إلى أن يفتح أفراده بعضهم لبعض أبوابا أوسع. المعلم الذي يختصر على طلابه سنوات من البحث، والمهندس الذي يطور وسيلة توفر الوقت والجهد، والأب الذي يمنح أبناءه فرصة افتقدها في شبابه، يضيف كل منهم شيئا إلى قدرة الآخرين على التقدم. وما ينجزه الفرد يصبح أكثر قيمة حين يستطيع غيره الاستفادة منه وتطويره. هكذا تتراكم المعرفة، وتتسع الفرص، ويصل اللاحقون إلى مسافات لم تتح للسابقين. وقد يكتشف الأب، بعد سنوات من العمل والتعب، أن ابنه حقق في وقت قصير ما احتاج هو إلى عمر طويل لتحقيقه. يستطيع أن يشعر بالغبن، وأن يرى في سهولة حياة ابنه انتقاصا من مشقته، ويستطيع أن ينظر إلى الأمر بطريقة أخرى: لقد أثمرت جهوده، وأصبح الطريق الذي شقه أكثر يسرا لمن جاء بعده. والأمر نفسه ينطبق على المجتمعات؛ فإعادة خوض المعارك القديمة تستهلك الوقت الذي يمكن استثماره في مواجهة تحديات جديدة. وكل عقبة يتجاوزها جيل ينبغي أن تترك لمن بعده معرفة تساعده على تجاوز عقبات أخرى.
طويق، بما يحمله من مكانة في الوجدان السعودي، يمنح هذه الفكرة صورة محسوسة. فالصعود يحتاج إلى عزيمة وصبر ومعرفة بالطريق، لكن الوصول إلى القمة يكشف أيضا طرقا وآفاقا لم تكن ظاهرة عند السفح. وربما كانت قوة المجتمع في قدرته على الجمع بين الأمرين: أن يعرف ما يستحق المحافظة عليه، وأن يمتلك الشجاعة لتغيير ما يعوق تقدمه. فالثقة بالنفس تظهر كذلك حين يستطيع الإنسان مراجعة أفكاره دون أن يشعر أن هويته أصبحت موضع تهديد. سيأتي زمن ينظر فيه أحفادنا إلى بعض المنجزات التي نحتفي بها اليوم باعتبارها أمورا مألوفة. وقد يستغربون أن مجالات عملهم ودراستهم كانت يوما موضع تردد أو خلاف، وأن فرصا يجدونها أمامهم احتاجت إلى سنوات من المحاولات حتى أصبحت ممكنة. سيكون استغرابهم شاهدا على ما تغير في حياة المجتمع؛ فالأمور التي احتاجت منا إلى شجاعة استثنائية قد تصبح جزءا عاديا من حياتهم، مثلما أصبحت أشياء كثيرة في حياتنا اليوم مألوفة بعدما كانت أحلاما بعيدة لمن سبقونا.
طويق سيبقى في موضعه، وستظل قممه على ارتفاعها، أما سقف الممكن في حياة الإنسان فيستطيع أن يرتفع من جيل إلى آخر. وحين نفكر فيما سنتركه للقادمين بعدنا، فإن المعرفة التي نوفرها لهم، والفرص التي نفتحها أمامهم، والعقبات التي نختصرها عليهم، تستحق أن تكون جزءا من تصورنا للإنجاز الوطني.
ولعل أعظم ما ينجزه جيل هو أن تصبح القمة التي تعب في بلوغها نقطة انطلاق لأبنائه.
