راديو غراف
ما الذي أوجعنا؟

ما الذي أوجعنا؟
تجلس امرأة في بيتها، تنظر إلى هاتفها بين حين وآخر. وعدها ابنها أن يتصل عند الظهيرة، ومضت ساعتان على الموعد دون أن يتصل. في البداية انشغلت بأعمال المنزل، ثم بدأت تتفقد الهاتف، وأخذت الأفكار تتزاحم في رأسها. هل نسي؟ هل حدث له مكروه؟ أم أن أمه لم تعد تحتل في يومه المكان الذي كانت تحتله؟ كان الهاتف صامتا، وفي رأسها دارت محادثات طويلة لم ينطق فيها أحد بكلمة. قبل أن تعرف المرأة ما حدث لابنها، كانت قد عاشت مشاعر الخوف والحزن والخذلان، وكأن الاحتمالات التي تخيلتها وقائع مؤكدة. وهذا يدفعني إلى التفكير في عبارة نرددها حين تثقل علينا الحياة: «نصيبنا وجع». أتوقف عند كلمة «نصيب» تحديدا. لماذا ننسب إليها أوجاعنا؟ وهل نصف بها ما حدث لنا بالفعل، أم الطريقة التي فهمنا بها ما حدث؟
لعل في الكلمة محاولة لفهم ما يعجز الإنسان عن تفسيره. فالنصيب يوحي بقسمة، والقسمة تمنح الحوادث صورة من النظام والترتيب. وحين تتوالى المصائب، قد يجد الإنسان شيئا من الراحة في الاعتقاد أن ما جرى يدخل ضمن حصة مقدرة له من الحياة. فالعقل يبحث عن معنى لما يصيبه، ويضيق أحيانا بوجود أسئلة لا يجد لها إجابة. غير أن التفسير الذي يريحنا قد يؤثر أيضا في الطريقة التي نواجه بها ما حدث.
تأمل كيف تتغير وظيفة الكلمة بحسب الموقف الذي تقال فيه. حين يفقد الإنسان عزيزا، قد يجد في الحديث عن النصيب ما يعينه على احتمال الفقد. لكن ماذا يحدث حين نستخدم الكلمة نفسها أمام شخص أمضى سنوات يتحمل إساءة قريب له؟ كلما اشتكى سمع من يقول: ((هذا نصيبك، اصبر واحتسب)). يبدو الكلام مواساة، لكنه قد يمنح المسيء فرصة للاستمرار. لقد تحول تصرف ارتكبه إنسان بإرادته إلى قدر يطلب من المتضرر احتماله. والأعجب أن المتضرر قد يشعر بالذنب حين يفكر في حماية نفسه، كأن اعتراضه على الإساءة اعتراض على نصيبه. وهنا يبرز سؤال يستحق التأمل: كيف اختفى صاحب الإساءة من الحكاية، وأصبح المتضرر وحده مطالبا بتحمل نتائجها؟ فالإيمان بالقدر لا يعفي الإنسان من مسؤولية أفعاله، ولا يسلب المتضرر حقه في دفع الأذى عن نفسه.
وللوجع طريق آخر، يبدأ أحيانا من المعاني التي نمنحها لتصرفات الآخرين. يتأخر صديق عن الرد، فنقرأ التأخر على أنه تجاهل. تتغير نبرة شخص نحبه، فنظن أن مشاعره تبدلت. وقد يكفي أن يمر بنا أحد معارفنا دون أن يحيينا حتى نقضي بقية اليوم نفكر فيما فعلناه ليستاء منا. المشكلة أننا نتعامل أحيانا مع تفسيراتنا كما لو كانت معلومات مؤكدة، وننسى أن الآخرين يعيشون أياما لا نعرف تفاصيلها. والعقل حين يخاف يصبح شديد النشاط، حتى إنه يستطيع أن يتولى دور المتهم والقاضي والشاهد في قضية لم تقع بعد. وقد يكون وراء هذا الخوف تاريخ قديم من الخيبات. فالإنسان يستقبل الحوادث بعقل يحتفظ بذاكرة تجاربه، ولهذا قد يثير موقف صغير ألما يفوق حجمه الظاهر. وربما دخل أحدهم علاقة جديدة وهو يفتش فيها عن ملامح خيانة سابقة، فيراقب الكلمات والتصرفات، ويطلب من الطرف الآخر أن يثبت له باستمرار أنه مختلف عمن سبقه. وهكذا تمتد آثار الإساءة إلى أشخاص لم يشاركوا فيها. فصاحب التجربة السابقة يظن أنه يقرأ الحاضر بحذر، وقد يكون في بعض المواقف منشغلا بمراقبة ماض يخشى عودته.
أما الأوجاع التي تفرضها الحياة، فتختلف ظروف مواجهتها من إنسان إلى آخر. رجل يفقد أباه فيجد إخوة يتقاسمون معه المسؤوليات، وآخر يعود من المقبرة إلى عمله لأن أسرته تنتظر راتبه آخر الشهر. كلاهما يعرف الفقد، لكن أحدهما يجد وقتا للحزن، والآخر يضطر إلى تأجيل حزنه كل صباح. وقد نرى الثاني يمارس حياته فنظن أنه تجاوز مصيبته، بينما هو يحاول أن يوفر لأسرته احتياجاتها. حتى أحكامنا على أحزان الآخرين تتأثر بما يظهر لنا من حياتهم، ونجهل غالبا ما يضطرون إلى إخفائه.
وثمة أمر آخر يستحق التأمل. بعض الناس يلازمهم وجعهم سنوات طويلة، حتى يصبح جزءا من صورتهم عن أنفسهم. وقد يخشى أحدهم أن يعني تجاوزه للألم التقليل من أهمية ما تعرض له، فيتمسك بحكاية أوجعته لأنه لم يعرف بعد كيف يعيش من دونها. وربما شعر أن التعافي نوع من التسامح مع من أساء إليه، أو أن استعادة سعادته تجعل معاناته السابقة أقل أهمية. وهكذا يجد الإنسان نفسه أمام مفارقة غريبة: يريد الخلاص من الوجع، ويخشى في الوقت نفسه أن يفقد المعنى الذي منحه لذلك الوجع.
أفكر أحيانا في مقدار ما نضيفه إلى الحوادث من تفسيرات، ثم ننسى أننا نحن من أضفناها. فقد تقع الإساءة بالفعل، وقد نفقد إنسانا عزيزا، وقد نتألم بسبب أمر لم يحدث إلا في مخيلتنا. وربما كانت أصعب مهمة أمام الإنسان أن يعرف أين ينتهي ما وقع له، وأين تبدأ الحكاية التي نسجها حوله. فقد نحتاج إلى الصبر على أمر لا نملك تغييره، وإلى مواجهة إساءة نستطيع إيقافها، وإلى سؤال بسيط يختبر ما أخبرنا به خوفنا. فما الذي حدث بالفعل، وما الذي أخبرنا به خوفنا عن الذي حدث؟ وكم مرة سمينا شيئا نصيبنا، وكان في وسعنا أن نتعامل معه بطريقة أخرى؟
أعود إلى المرأة التي تنتظر اتصال ابنها. لعل الهاتف يرن أخيرا، ويخبرها أن بطاريته نفدت، وأنه لم يتمكن من الاتصال في الموعد. ستطمئن عليه، وربما تعاتبه قليلا، ثم تعود إلى ترتيب المائدة.
لقد كان خوفها حقيقيا، وكذلك الألم الذي شعرت به. أما المصيبة التي تخيلتها فلم تقع ولم يعرف ابنها أنه كان طوال الساعتين، بطل حكاية مؤلمة كتبتها مخاوف أمه في غيابه.
