مَفَرٌّ لا مَقَرّ

مَفَرٌّ لا مَقَرّ
الدكتورة جواهر الروقي
ليست الحياة كما نراها في لحظاتنا العابرة؛ فما نعتقد اليوم أنه نهاية الطريق، قد يكون مجرد منعطف، وما نظنه خسارةً لا تُعوَّض، قد يكون بابًا لنجاةٍ لم ندركها بعد ، فالدنيا تتبدل بتبدل أحوالنا، وتتسع وتضيق وفق ما تحمله قلوبنا من أفكار، وما تمنحه عقولنا للأحداث من أحجام، وما نختار أن نتمسك به أو نتجاوزه ، وبين هذا كله، ننسى أحيانًا حقيقةً تستحق أن تعيد ترتيب علاقتنا بالحياة: أننا لا نقيم في هذه الدنيا إلى الأبد، بل نعبرها؛ فهي مَفَرٌّ لا مَقَرّ.
حين ندرك أن كل ما نعيشه ليس إلا خطوةً في سلسلةٍ من الخطوات، وأن الأشخاص والمواقف والعلاقات والمناصب والصراعات ليست إلا أجزاءً من رحلةٍ لها نهاية، سنعيد النظر في كثيرٍ مما يستنزف أعمارنا ، فكم من إنسانٍ أضاع راحته في خصومةٍ كان يستطيع إنهاءها بحكمة، وكم من علاقةٍ استهلكت من روحه أكثر مما تستحق، وكم من صراعٍ مهنيٍّ تحوّل إلى معركةٍ لإثبات الذات، حتى غابت الغاية التي اجتمع الناس من أجلها، وأصبح الانتصار للنفس أهم من إنجاز العمل، وإقصاء الآخر أهم من بناء النجاح.
وليست المشكلة في أن نختلف؛ فالاختلاف طبيعة الحياة، ولا في أن ندافع عن حقوقنا؛ فالحقوق لا تسقط بزوال الدنيا، وإنما المشكلة أن نمنح كل خلافٍ من أعمارنا أكثر مما يستحق، وأن نسمح لموقفٍ عابر أن يتحول إلى إقامةٍ دائمة في صدورنا، وأن ننشغل بإثبات أننا على صواب حتى ننسى أن العمر يمضي، وأن بعض الفرص لا تعود، وأن كثيرًا مما نخاصم من أجله لن يكون له في نهاية الرحلة الوزن الذي منحناه إياه.
ومن هنا يأتي المنهج النبوي ليضع علاقتنا بالدنيا في موضعها الصحيح؛ فلا يدعونا إلى الانسحاب من الحياة، ولا إلى قبول الظلم، ولا إلى التفريط في الحقوق، بل يعلّمنا أن نعيش فيها بوعيٍ واتزان، وأن نعمل دون أن تستعبدنا النتائج، وأن نختلف دون أن تفسدنا الخصومة، وأن ننتصر للحق دون أن نخسر أخلاقنا. يقول النبي ﷺ: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل» رواه البخاري. إنها وصية تختصر فلسفة العبور؛ أن تؤدي واجبك، وتعمر حياتك، وتحسن إلى الناس، وتسعى إلى أهدافك، لكنك لا تنسى أن كل ما حولك مؤقت، وأن البقاء الحقيقي ليس لهذه المحطات، بل لما تقدمه فيها من عملٍ وأثر.
ولذلك لم يجعل النبي ﷺ القوة في غلبة الآخرين، بل في ضبط النفس، فقال: «ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» متفق عليه. فليس كل صمتٍ ضعفًا، ولا كل انسحابٍ هزيمة، ولا كل مواجهةٍ انتصارًا؛ إذ قد يكون أعظم انتصارٍ أن تعرف متى تتكلم، ومتى تحسم، ومتى تترك للزمن ما لا يستحق أن تستهلك نفسك فيه. وقد يكون حفظ كرامتك في موقفٍ ما أهم من كسب صاحبه، وقد تكون مغادرة علاقةٍ مؤذية أصدق تعبيرٍ عن احترام الذات من البقاء فيها لإثبات أنك الطرف الأقوى.
وحين ننظر إلى الحياة من هذه الزاوية، ندرك أن العلاقات لا تُقاس بطول بقائها، بل بصدق أثرها، وأن المناصب لا تمنح أصحابها قيمةً بقدر ما تكشف عن أخلاقهم، وأن الخلافات مهما اشتدت لا ينبغي أن تتحول إلى هويةٍ نعيش بها ، فليس من الحكمة أن نحمل خصومات الأمس إلى أيام الغد، ولا أن نجعل أشخاصًا غادروا حياتنا شركاء دائمين في أفكارنا، ولا أن نسمح لصراعات العمل أن تسرق منا سكينة البيوت وطمأنينة القلوب.
وقد صدق الشاعر حين قال:
وما نيلُ المطالبِ بالتمنّي
ولكن تُؤخذُ الدنيا غِلابا
غير أن السعي، مهما اشتد، يحتاج إلى بصيرةٍ تميّز بين ما يستحق المثابرة وما يستحق التجاوز؛ فليست كل معركةٍ جديرةً بأن نخوضها، ولا كل بابٍ أُغلق ينبغي أن نقضي العمر في محاولة فتحه، ولا كل شخصٍ خسرناه يعني أننا خسرنا الطريق. فالحياة لا تتوقف عند موقفٍ واحد، والإنسان لا يُختصر في تجربةٍ واحدة، وما ينتهي في مرحلةٍ قد يفسح المجال لبدايةٍ أنضج في مرحلةٍ أخرى.
إن استحضار النهاية لا يجعلنا أقل اهتمامًا بالحياة، بل يجعلنا أكثر إنصافًا لها؛ فنمنح العمل حقه دون أن نقدّسه، ونمنح العلاقات قدرها دون أن نتعلق بها تعلقًا يؤذينا، ونحفظ حقوقنا دون أن نستنزف أعمارنا في الانتقام، ونراجع أفكارنا دون أن نعدّ التراجع عن الخطأ هزيمة ، وحينها يصبح السؤال الذي نطرحه على أنفسنا مختلفًا: ليس فقط ماذا كسبنا من هذا الموقف؟ بل ماذا خسرنا من أنفسنا ونحن نحاول كسبه؟ وهل يستحق الأمر كل هذا الغضب، وكل هذا القلق، وكل هذه الأيام التي مضت ونحن أسرى له؟
في نهاية المطاف، لن تكون قيمة رحلتنا في عدد من انتصرنا عليهم، ولا في الخصومات التي حسمناها، ولا في المناصب التي بلغناها وحدها؛ بل في الأثر الذي تركناه، والعدل الذي التزمناه، والخير الذي قدمناه، والقلوب التي لم نظلمها حين امتلكنا القدرة على ذلك ، فالدنيا قصيرةٌ مهما طالت، والإنسان راحلٌ مهما امتد به المقام، وما بين البداية والنهاية مساحةٌ اسمها الحياة، نحن المسؤولون عن الطريقة التي نعبرها بها.
فلا تجعلوا العابرين قضايا أعمار، ولا تجعلوا الخلافات أوطانًا تقيمون فيها، ولا تمنحوا اللحظات المؤقتة سلطةً على أعماركم الدائمة الأثر. عيشوا بوعي، واختلفوا بأدب، وطالبوا بحقوقكم بعدل، وتجاوزوا حين يكون التجاوز حكمة، وامضوا حين يصبح البقاء استنزافًا ، فالدنيا مَفَرٌّ لا مَقَرّ، والعاقل ليس من جمع أكبر قدرٍ من الانتصارات العابرة، بل من أحسن العبور، وحفظ قلبه من الأحقاد، وترك وراءه أثرًا طيبًا، واستعدّ للقاء الله بقلبٍ سليم وعملٍ صالح.
كاتبة رأي