كُتاب الرأي

*ذوقوا مسّ سقر*

*ذوقوا مسّ سقر*

منـيرا الـعتـيبي

في المفهوم العسكري والاستراتيجي، لا يُقاس ثقل الدول بحجم الضجيج الإعلامي أو بالجرأة على استهداف المنشآت المدنية والأعيان الآمنة؛ بل يُقاس بالقدرة على إدارة الأزمات واحتكار القوة الردعية وتثبيت أركان السيادة. من هذا المنطلق، كشفت المحاولات الأخيرة لميليشيا الحوثي باستهداف المرافق المدنية بالمملكة — بدءاً من الاعتداء على مطار الملك خالد الدولي بالرياض ومطار الملك فهد الدولي بالدمام، وصولاً إلى صواريخها التي طالت أضرارها روضة أطفال ومجمعاً طبياً — عن ملمح تحليلي جوهري: وهو تحولها العاجز من المواجهة العسكرية المباشرة إلى استهداف الأعيان المدنية، في محاولة يائسة للتغطية على هزائمها الميدانية والتظاهر بالقدرة على الرد.

إن القراءة الفاحصة للمشهد تُظهر فارقاً شاسعاً بين فلسفتين؛ فلسفة ميليشياوية تعتمد الغدر وتفريغ العجز في أهداف مدنية لا تملك أدوات الدفاع وبين فلسفة دولة سيادية تدير معاركها
بـ «مسّ الحزم» والانضباط التكتيكي الصارم. فالردود السعودية المبرحة التي دكّت مواقع الميليشيا ودمرت منصات الإطلاق ومراكز التوجيه، لم تكن مجرد رد فعل انفعالي، بل تعبيراً عن عقيدة عسكرية تحول كل اعتداء غاشم إلى غطاء شرعي لتفكيك البنية التحتية للإرهاب وتجريد العدو من أدواته، محققة التكامل بين يقظة السماء وحسم الأرض.

هذه العقيدة الدفاعية الصلبة لا تتوقف عند خطوط النار، بل يمتد خط دفاعها الأول إلى الوعي الوطني والإعلامي؛ فالدفاع عن استقرار الديار واحتكار رواية الحقيقة هو الامتداد الطبيعي للردع العسكري. إن الوطنية الحقة وقت الأزمات تتجلى في تسخير الأقلام والمنصات لدعم مؤسسات الدولة، وتفنيد التضليل، وحماية الجبهة الداخلية من محاولات الإرباك؛ إذ يظل الأمن القومي ومكتسبات الوطن ثوابت سيادية أسمى من الرمادية أو الحسابات الشخصية الضيقة.

إن هذا الاصطفاف الشامل يترجم عمق العقيدة السياسية للرياض؛ فالمملكة التي تقود مشاريع التنمية وتصنع الاستقرار الإقليمي، تخوض مواجهاتها بشرعية أخلاقية تجعل ضرباتها موجهة حصراً لمكامن الخطر، متجنبة إيذاء الأبرياء، ومثبتة أن منطق الدولة أعتى وأبقى من فوضى الجماعات. هذا التوازن بين ضبط النفس والبطش الميداني عند التجاوز، هو التجسيد الحقيقي للرؤية الخالدة التي أرسى معالمها صاحب السمو الملكي الأمير سعود الفيصل -رحمه الله- حين قال:
«نحن لسنا دعاة حرب، ولكن إذا قُرعت طبولها فنحن جاهزون لها».

إنها معادلة استراتيجية حاسمة تؤكد أنه لا يمكن لأحد أن يكسر شوكة السعودية؛ فنحن مثل طائر الفينيق ننهض دائماً وفي كل مرة، نحول التحديات إلى فرص لترسيخ الهيبة، ونثبت أن السلام اختيار القوي.

إن القراءة الاستراتيجية لمسار هذه المواجهة تؤكد حقيقة متجاوزة للميدان: الدول المكتملة بأركانها ومؤسساتها تمضي في بناء مستقبلها وتنميتها بصلابة، بينما تحترق الجماعات الوظيفية في أزماتها وتزداد عزلة واستنزافاً داخل جغرافيتها. إن الإفلاس الأخلاقي والتكتيكي للميليشيا ليس مجرد خطأ عسكري، بل هو مؤشر على قرب انغلاق خياراتها وسقوط أوهامها، ليصبح كل اعتداء جديد عائقاً يُعجّل بصدامها المحتوم مع جدار السيادة وتجريدها من أسباب البقاء.. حيث لا ينتظر هذا العبث في نهاية المطاف سوى «مسّ سقر».

✍🏻 كاتبة سعودية

 

 

منيرا العتيبي

كاتبة رأي وصحافية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.