*اختراع النهاية*

*اختراع النهاية*
منـيرا الـعتـيبي
في العمل الصحفي، حين يتأخر التفسير أو يمتنع المصدر عن الكلام، لا تتوقف المطابع إلى الأبد؛ يُصدر المحرر حُكمه بإغلاق الصفحة وطباعة العدد بما اكتمل لديه. وفي الحياة، فإن أثمن ما يملكه الإنسان هو شجاعة وضع نقطة السطر.
ثمة حزن صامت يرافق تلك اللحظات التي نتمنى فيها لو أن الحياة تُدار بنصوص سينمائية مكتوبة بعناية؛ حيث يجلس الطرف الآخر في المشهد الأخير، ليقدم اعتذاراً شافياً، أو يُفسر أسباب تحوله، أو يعترف بمسؤوليته عن هذا الانكسار.
نتوهم—في غمرة ضعفنا الإنساني—أننا لن نستطيع المضي قدماً إلا إذا حصلنا على ذلك التوضيح الذي يمنحنا السلام ويطوي الصفحة.
لكن الأيام تُعلمنا حقيقة حادة وموجعة: الذين يتركون المساحات معلقة، نادراً ما يعودون بإجابات. والانتظار الطويل لجوابٍ لا يأتي، ليس صبراً ولا وفاءً، بل هو في جوهره استنزافٌ طوعي للكرامة، وتنازلٌ مجاني عن حقك في الطمأنينة.
*سـؤال لـماذا؟*
المأزق الحقيقي ليس في الجهل بالواقع، بل في الإدمان على تدوير السؤال ذاته:
لماذا تغيروا؟
لماذا توقفت الفكرة؟
لماذا انقطعت الطريق فجأة بغير تمهيد؟
إن غياب الإجابة الصريحة هو في حد ذاته إجابة كاملة لا تحتاج إلى تفكيك.
الصمت الممتد، والتجاهل، والانسحاب غير المبرر.
كلها وثائق رسمية تبلغك أن الفصل قد انتهى فعلياً، وأن المماطلة في قبول هذه الحقيقة لن يزيد الأمر إلا استنزافاً وثقلاً.
الذكاء النفسي لا يعني العثور على التفسير المفقود، بل في الامتناع عن طرح السؤال حين يصبح الاستمرار فيه إهانة للذات.
*إنهاء «الدور» لا «المسرح»*
لا يتطلب اختراع النهاية دائماً قطع العلاقة، أو الاستقالة المدوية، أو مغادرة البيئة؛ أحياناً يكون الحسم داخلياً، خافتاً، ورفيع المستوى.
يتعلق الأمر بإنهاء «الدور» الذي استهلك روحك دون جدوى:
* إنهاء دور المنقذ الذي يحاول إصلاح ما لا يصلح.
* إنهاء دور المتاح دائماً لمن لا يمنحك موقعاً في جدول أولوياته.
* إنهاء دور الصامت الذي يداري عثرات الآخرين على حساب راحة باله.
أنت لا تهدم المسرح، ولا تحدث ضجيجاً، لكنك تخترع نهاية للموقف الاستغلالي، لتنسحب من الدور القديم، وتنتقل إلى مساحةٍ جديدة تحفظ لك توازنك وكبرياءك.
*حسم المحرر.. لا تنتظر الخبر*
في كواليس الصحف العريقة، ثمة قانون غير مكتوب يعرفه المباشرون للطباعة: الصفحة البيضاء هي الخسارة الأفدح.
إذا استغرق الخبر وقتاً أطول مما ينبغي، يُغلق الملف فوراً، وتُملأ المساحة بما استقر من حقائق، ويُدفع بالمطبعة لتدور.
حياتك هي ذلك العدد الذي يجب أن يصدر اليوم. إبقاء أيامك وحماسك وتركيزك في حالة معلقة بانتظار توضيح من أحد، هو تأجيل غير مبرر لصدور جيلك الجديد.
النهاية المخترعة ليست انتقاماً، ولا ادعاءً للقوة، ولا هروباً.
هي ببساطة إغلاق متوازن للملفات المفتوحة، كي تفرغ يدك لعقد جديد، وعنوان جديد، وفصل مختلف تماماً.
*نقطة نهاية السطر*
لن يمنحك العالم دائماً النهايات التي تستحقها، ولن يقدم لك الآخرون دائماً نقطة السطر التي تريح بها عقلك المرهق.
حين ترتخي الأيدي، وتتأخر الإجابات، وتتلاشى العناوين، لا تبكِ على بابٍ لم يُغلق برفق..
اخترع نهايتك بنفسك، ضع النقطة بيدٍ ثابتة، والتفت للسطر الجديد.
فالأرض أوسع من أن تُقيدها بانتظار إجابة غائبة.
✍ كـاتبة سـعودية

