كُتاب الرأي

السلوك الأمريكي تجاه العراق وتجاه إيران

السلوك الأمريكي تجاه العراق وتجاه إيران

دراسة مقارنة في الأدوات والشرعية والنتائج

بقلم: د. عصام يحيى الفيلالي

عضو هيئة تدريس سابق – جامعة الملك عبدالعزيز

مقدمة: لماذا “السلوك” وليس “الحرب”؟
حين ننظر إلى الحرب الأمريكية على العراق في 2003 والحرب الأمريكية على إيران في 2025-2026،
نجد أنفسنا أمام نمطين مختلفين من السلوك الأمريكي،
لا أمام حربين متشابهتين فحسب.
فالحرب ليست إلا ذروة سلوك طويل ومعقد يمتد قبله ويستمر بعده، ويشمل أدوات دبلوماسية وقانونية واقتصادية وخطابية، فضلًا عن البعد العسكري.
ولهذا فإن عنوان “السلوك الأمريكي تجاه العراق وتجاه إيران” أكثر دلالة من “الحرب الأمريكية على العراق وإيران”، لأنه يسمح لنا بتتبع التحول في الأدوات التي استخدمتها واشنطن، وفي الشرعية التي منحتها لنفسها، وفي النتائج التي أنتجتها في كلتا الحالتين.
تسعى هذه المقالة إلى الإجابة عن سؤال مركزي:
هل تغيّر السلوك الأمريكي في إدارة الصراع مع
  • خصومه من “العقيدة الوقائية” البوشية
  • إلى “الحرب الإرادية” الترامبية؟
ولاختبار هذا السؤال، نقسّم التحليل إلى ستة مباحث تتبع كل منها بُعدًا من أبعاد السلوك الأمريكي:
١- الدبلوماسي، ٢- والقانوني، ٣- والاقتصادي،
٤-والخطابي، ٥- وتجاه الحلفاء، ٦- ثم النتائج المقارنة.
المبحث الأول:
السلوك الدبلوماسي – من السعي إلى القرار الأممي إلى الانسحاب من الاتفاقيات
في أعقاب هجمات 11 سبتمبر 2001، وجدت إدارة الرئيس جورج بوش الابن نفسها أمام خيارين:
  • الحرب المنفردة،
  • أو بناء شرعية دولية.
واختارت الثانية، فذهبت إلى مجلس الأمن في نوفمبر 2002 وحصلت على القرار 1441 بالإجماع،
وهو قرار حظي بتأييد روسيا وفرنسا والصين، وحدد للعراق “فرصة أخيرة” لنزع أسلحته.
وبعد ثلاثة أشهر، عاد وزير الخارجية كولن باول إلى مجلس الأمن في فبراير 2003 ليقدّم ما وصفه بـ”أدلة صلبة” على أن العراق لا يزال يخفي برامج أسلحة دمار شامل.
لكن هذا المسار الدبلوماسي لم يكن سلسًا. فحين رفضت فرنسا وألمانيا وروسيا تمرير مشروع قرار جديد يجيز استخدام القوة، مضت واشنطن وحلفاؤها في الحرب دون تفويض صريح، لكنها ظلت أسيرة الخطاب القانوني، مستندة إلى تفسيرات مرنة لقرارات سابقة.
كما بذلت جهودًا لبناء “تحالف الراغبين” ضمّ بريطانيا وبولندا وإسبانيا وأستراليا ودولًا أخرى. كانت الحرب “غير قانونية” بمعايير عديدة، لكنها لم تكن منفردة تمامًا؛ ظلّ هناك حرص على إظهار الشرعية، ولو شكليًا.
في المقابل، يختلف السلوك الدبلوماسي في عهد ترامب اختلافًا جذريًا. ففي مايو 2018، انسحبت الولايات المتحدة أحاديًا من خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA) التي أُبرمت في 2015، ولم تكتفِ واشنطن بالانسحاب، بل أطلقت حملة “أقصى ضغط” استهدفت تصفير صادرات النفط الإيراني، مُزيلة 1.5 مليون برميل يوميًا من السوق العالمية، وحارمةً طهران من 10 مليارات دولار من عائدات النفط منذ ذلك الحين.
وعندما قررت واشنطن شن الحرب في فبراير 2026،
  • لم تلجأ إلى مجلس الأمن،
  • ولم تسعَ إلى تفويض دولي،
  • ولم تشكّل تحالفًا.
  • بل أُعلنت العملية المشتركة مع إسرائيل تحت اسم “الغضب الملحمي” دون أي غطاء أممي،
في سابقة تُعدّ أكثر جسارة من حرب العراق نفسها. وكما لاحظت صحيفة “اليوم السابع” المصرية، فإن “الإدارة الأمريكية
  • لم تلجأ إلى مجلس الأمن،
  • ولم تسع إلى استصدار موافقة من الكونغرس،
  • ولم تشكل تحالفًا دوليًا كما حدث سابقًا”.
المبحث الثاني:
السلوك القانوني – من الاحتكام إلى القرارات إلى “الحرب الإرادية”
كان الأساس القانوني لحرب العراق موضع جدل كبير، لكنه ظل قائمًا على سند شكلي.
  • استندت إدارة بوش إلى القرار 1441،
  • وإلى قرارات سابقة مثل 678 و687،
  • وإلى تفسير موسّع لمفهوم “الدفاع الشرعي الاستباقي”.
ولما فشلت في الحصول على قرار جديد، تحججت بأن القرارات السابقة “كافية” لتفويض استخدام القوة. وكان هذا تحايلًا قانونيًا، لكنه ظل ضمن إطار الاحتكام إلى مرجعية القانون الدولي، ولو مُحرّفة.
أما في حالة إيران،
فقد تجاوزت إدارة ترامب هذه الحساسية القانونية تمامًا. فقد برّرت الضربات على إيران بوجود “خطر وشيك” على الأراضي الأمريكية، وهو المبرر نفسه الذي استخدمه بوش في 2003، لكن مع فارق جوهري:
بوش “بذل جهدًا كبيرًا لشرح منطقه” وحصل على تفويض من الكونغرس،
بينما لم يفعل ترامب شيئًا من ذلك. بل إن صحيفة “نيويورك تايمز” نقلت عن مسؤولين أمريكيين أن تقديرات المخابرات الأمريكية نفسها “تتناقض مع ادعاءات ترامب”، إذ أشارت إلى أن إيران أوقفت أنشطتها النووية بعد ضربات يونيو 2025.
ويصف المحللون هذا التحول بأنه انتقال من “العقيدة الوقائية” النيوليبرالية التي هيمنت على حقبة بوش، إلى ما يسمونه “الصيانة الوقائية” في حقبة ترامب،
وهي عقيدة لا تعترف بأي حاجة إلى شرعية قانونية خارج الإرادة الرئاسية.
وقد وصف عضو الكونغرس الديمقراطي جيم هايمز هذه الحرب بأنها “حرب مختارة، بلا غاية استراتيجية”.
المبحث الثالث:
السلوك الاقتصادي – من الحصار الشامل إلى “الضغط الأقصى”
في 6 أغسطس 1990، وبعد أيام من غزو العراق للكويت، أصدر مجلس الأمن القرار 661 الذي فرض عقوبات اقتصادية شاملة على العراق، شملت
  • حظرًا تجاريًا وعزلاً عن النظام المالي العالمي
  • وحظرًا على النفط والأسلحة.
  • واستمرت هذه العقوبات ثلاثة عشر عامًا حتى سقوط صدام في 2003،
  • وكانت آثارها كارثية:
بحلول 1998،
  • كان ثلث أطفال العراق يعانون سوء تغذية مزمنًا،
  • ونحو 70% من النساء يعانين فقر الدم، وفق منظمة اليونيسيف.
  • وتشير التقديرات الأممية إلى أن نحو مليون ونصف المليون شخص، بينهم نصف مليون طفل، فقدوا حياتهم جراء هذه العقوبات.
  • وانهار الناتج المحلي الإجمالي للعراق من نمو 57.8% في 1990 إلى سالب 64% في 1991.
هذا النموذج من العقوبات الشاملة كان يستند، نظريًا، إلى غطاء أممي عبر مجلس الأمن.
أما نموذج “أقصى ضغط” على إيران فقد كان أمريكيًا أحاديًا في جوهره، وإن جرى تسويقه كأداة “ذكية” تستهدف النظام لا الشعب.
غير أن الواقع أظهر أن هذه العقوبات “تدمر الرعاية الصحية والتعليم والتغذية والاحتياجات الأساسية للفقراء”، كما كانت تفعل عقوبات العراق قبلها.
وبلغ إجمالي العقوبات المفروضة على إيران في الولاية الأولى لترامب أكثر من 1500 عقوبة، استهدفت تصفير صادراتها النفطية.
لكن الفارق الأكبر بين النموذجين يظهر في مرحلة ما بعد الحرب.
فبعد سقوط صدام، دخل العراق في دورة من الفوضى والعنف الطائفي استمرت سنوات،
لكن الحرب لم تُلحق ضررًا مباشرًا بالاقتصاد العالمي.
أما الحرب على إيران فقد تسببت في
  • إغلاق مضيق هرمز، وهو شريان حيوي يمر عبره خُمس إمدادات العالم من النفط والغاز،
  • مما أدى إلى “أكبر اضطراب في تاريخ سوق النفط”.
  • وارتفعت أسعار النفط إلى مستويات قياسية،
مع توقعات بأن تصل إلى 150 دولارًا للبرميل إذا استمر النزاع لأشهر،
  • مما قد يرفع التضخم العالمي إلى 6%.
المبحث الرابع:
السلوك الخطابي – من “أسلحة الدمار الشامل” إلى “الخطر النووي الوشيك”
في يناير 2003، وقف الرئيس بوش أمام الكونغرس محذرًا من “خطر جسيم” يمثله “ديكتاتور” عراقي مسلح بأسلحة دمار شامل. استخدمت الإدارة البوشية استعارات بصرية محددة:
“سحابة الفطر” النووية،
و”المسدس الذي تنبعث منه دخان” (smoking gun)،
لخلق حالة من الخوف الوجودي لدى الرأي العام الأمريكي. ولم يكن هذا الخطاب مجرد ترف بلاغي، بل كان أداة سياسية لبناء الإجماع ، فقد أظهر استطلاع غالوب عام 2003 أن 72% من الأمريكيين أيدوا الحرب.
في 2026، استخدم ترامب خطابًا مشابهًا في بنيته، لكن مختلفًا في مصدره ومضمونه.
ففي خطاب حالة الاتحاد، رسم صورة لإيران كـ”نظام مارق” يمتلك “تهديدًا نوويًا وشيكًا” و”ساعة تدق”.
لكن الفارق الجوهري، كما يقول بعض المحللين، هو أن “تقديرات المخابرات في 2026 تتناقض فعليًا مع ادعاءات ترامب”،
بينما في 2003 “جُيّرت المخابرات لتتوافق مع الكذبة”.
والأخطر أن الخطاب الترامبي لم يكن متسقًا حتى مع نفسه. فبينما أعلن أن عملية “المطرقة الليلية” في يونيو 2025 “دمّرت” المنشآت النووية الإيرانية، كان مبعوثه ستيف ويتكوف يقول إن طهران “على بعد أسبوع” من القنبلة.
هذا “الارتباك المعلوماتي” ليس عيبًا في التخطيط،
بل سمة بنيوية في “الحرب الإرادية”:
فحين لا تكون هناك ضرورة استراتيجية واضحة،
يبقى التهديد غامضًا بما يكفي لتبرير ضغط عسكري دائم.
المبحث الخامس:
السلوك تجاه الحلفاء – من “تحالف الراغبين” إلى الثنائية مع إسرائيل
في 2003،
بذلت إدارة بوش جهودًا حثيثة لبناء تحالف دولي.
انضمت بريطانيا وبولندا وإسبانيا وأستراليا إلى الحرب،
بينما رفضت فرنسا وألمانيا وبلجيكا المشاركة، مما كاد يشقّ حلف الناتو.
لكن الأهم أن واشنطن ظلت تولي أهمية لشرعية الحلفاء، حتى لو لم تنجح في إقناعهم جميعًا.
كانت هناك قناعة بأن الحرب تحتاج إلى غطاء جماعي، مهما كان شكليًا.
في 2026، تغيّر هذا السلوك جذريًا.
فوفقًا لمسؤولين أمريكيين، جرت اتصالات مكثفة في الساعات الأخيرة قبل الهجوم مع عدد من الحلفاء لبحث إمكانية استخدام قواعدهم الجوية، لكن هذه الطلبات “لم تلقَ موافقة”.
وأعلنت ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة في بيان مشترك عدم مشاركتها في العملية.
وبينما اكتفى الحلفاء الأوروبيون ببيانات منددة، تحوّلت الحرب إلى عملية ثنائية أمريكية-إسرائيلية خالصة، تُنفذ عبر “قدرات أمريكية وإسرائيلية خالصة، دون مشاركة عملياتية من دول حليفة”.
وهذا التحول لا يعكس مجرد تغيّر في مزاج الرئيس، بل تحولًا أعمق في العقيدة العسكرية الأمريكية.
فبوش كان يعتقد أن الحرب تحتاج إلى شرعية جماعية، حتى لو كانت هذه الشرعية قسرية ومفتعلة.
أما ترامب، فقد كان “مستعدًا للمضي قدمًا منفردًا في تنفيذ أجندته الخارجية، دون حشد تحالف راغبين”.
وهذا يعني أن الولايات المتحدة، بعد عقدين من الزمن، انتقلت من قوة تسعى إلى الهيمنة عبر التحالفات،
إلى قوة تكتفي بالثنائية مع إسرائيل، مُضحّيةً بشرعيتها الدولية في سبيل “الإرادة” الرئاسية.
المبحث السادس:
النتائج المقارنة – أي السلوكين أنجح؟
إذا كان السؤال يتعلق بفعالية السلوك الأمريكي، فإن المقارنة بين النتيجتين تكشف مفارقة صارخة.
ففي العراق،
  • نجح السلوك البوشي في إسقاط النظام،
  • لكنه أنتج حربًا أهلية طائفية،
  • وأدى إلى تعزيز النفوذ الإيراني في العراق بدلًا من تقليصه، وأسفر لاحقًا عن ظهور تنظيم داعش.
  • ومع ذلك، ظلت تكلفة الحرب على الاقتصاد العالمي محدودة،
  • وظلت الشرعية الدولية، وإن انتُهكت، قائمة كمرجعية نقدية.
أما في إيران،
  • فقد فشل السلوك الترامبي في تحقيق هدفه المعلن: إسقاط النظام.
فبعد أسابيع من “الغضب الملحمي”، لا تزال الحكومة الإيرانية قائمة، بينما تركّز إيران على “إلحاق أكبر قدر من الضرر بالولايات المتحدة وحلفائها”.
وقد حذّر سفير الولايات المتحدة السابق لدى الناتو، إيفو دالدر، من أن ترامب “كان يأمل ببساطة أن يكون السلاح الجوي كافيًا”، لكن “الحكومة الإيرانية لا تزال قائمة”.
والأخطر من ذلك أن هذه الحرب أنتجت تداعيات اقتصادية عالمية غير مسبوقة.
فإغلاق مضيق هرمز، ولو مؤقتًا، أدى إلى
  • اضطراب في أسواق الطاقة العالمية،
  • وارتفاع حاد في أسعار النفط والغاز،
  • وتراجع في النمو العالمي.
وتشير تقديرات البنك المركزي الإيطالي إلى أن استمرار إغلاق المضيق قد يؤدي إلى
“تأخير التعافي الاقتصادي العالمي لشهور، إن لم يكن لسنوات”.
خاتمة: من “الضرورة” إلى “الإرادة” – تحول في عقيدة القوة
ما يمكن استخلاصه من هذه المقارنة أن السلوك الأمريكي، في انتقاله من “الحرب الوقائية” إلى “الحرب الإرادية”، لم يكتسب قدرًا أكبر من الفعالية، بل فقد حتى الحد الأدنى من الانضباط القانوني والاستراتيجي.
  • فسلوك بوش، مع كل كوارثه، ظل أسير منطق “الضرورة” الذي يفرض، ولو نظريًا، تقديم مبررات وبناء تحالفات والاحتكام إلى مرجعية دولية.
  • أما سلوك ترامب، فقد أطلق العنان لمنطق “الإرادة” الذي لا يحتاج إلى مبررات، ولا إلى حلفاء، ولا إلى استراتيجية خروج.
إن الدرس الأهم من هذه المقارنة هو :
أن “التعنت” ليس فضيلة استراتيجية في حد ذاته.
  • فالتعنت البوشي، رغم كل مساوئه،
كان منضبطًا بحدود الحرب التقليدية
ومحددًا بأهداف قابلة للتحقيق (وإن كانت أهدافًا خاطئة).
  • أما التعنت الترامبي، فهو تعنت بلا حدود،
لأنه لا يعترف بأي مرجعية خارج الإرادة الرئاسية.
وهذا هو الفرق الجوهري بين سلوكين يشتركان في المظهر، لكنهما يختلفان في الجوهر:
  • الأول كان سلوكًا على نظام،
  • والثاني هو سلوك على فكرة الشرعية الدولية نفسها.
والله الهادي إلى سواء السبيل.

كاتب رأي 

الدكتور عصام يحيي الفيلالي

اديب وكاتب رأي سعودي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.