العقلاء لا تخدعهم المظاهر !!!

من هنا وهناك
العقلاء لا تخدعهم المظاهر !!!
عبدالله بن سالم المالكي
كم مرةً صفقنا للمظهر ثم اكتشفنا متأخرين أن الجوهر كان هشًّا؟!! وكم مرةً مررنا بجوار إنسان بسيط لا يحمل لقبًا لامعًا ولا صورةً براقة ثم أدركنا لاحقًا أنه كان الأكثر حكمةً والأصدق خلقًا والأعمق أثراً ؟!!!
وكم من إنسانٍ خسر فرصةً ثمينة لأنه انشغل بالمظاهر ؟!وكم من كفاءةٍ حقيقية بقيت في الظل لأنها لم تُحسن تسويق نفسها؟!إنها مفارقة تتكرر في حياتنا اليومية حتى أصبح البريق عند البعض أقوى من الحقيقة.
هذه ليست مصادفة بل خللٌ في موازيننا فمنذ تطورت وسائل التواصل الإجتماعي وتكاثر مستخدميها أخذت المظاهر تتقدم على الحقائق وأصبح كثيراً من البسطاء يقرأون مظاهر البشر ويغفلون عن قراءة عقولهم وقلوبهم.
غير أن العقلاء وحدهم لا تخدعهم المظاهر البراقة ولا يقعون في هذا الفخ فهم يعلمون جيداً أن الذهب لا يحتاج إلى طلاء وأن القيمة الحقيقية لا تصنعها الأضواء بل يصنعها العلم والخلق والتربية والمبدأ والقيم والعمل الصادق.
خذ مثلاً : في بيئة العمل قد يحظى موظفٌ بالاهتمام لأنه يجيد الحديث عن إنجازاته وربما ينبهر المسؤول منه ويمنحه أكثر مما يستحق بينما يعمل آخر بصمت وينجز بإتقان ويترك النتائج تتحدث عنه وبعد أشهر أو سنوات تتكشف الحقائق فيبقى صاحب الإنجاز وتتلاشى صورة صاحب الضجيج فالعبرة ليست بمن يتصدر المشهد وإنما بمن يصنع الفارق.
وخذ مثلاً آخر : نرى في مواقع التواصل الاجتماعي أيضاً من يصنع لنفسه صورةً مثالية يوحي للناس بأن حياته سلسلة من النجاحات والرفاهية والسعادة بينما يخفي خلف تلك الصور واقعًا مختلفًا وفي المقابل هناك من يعيش حياةً متزنة ويؤدي رسالته بإخلاص ولا يبحث عن إعجاب الآخرين أو تصفيقهم وشتان ما بين الإثنين !!
لذلك العقلاء لا يحكمون على الناس من خلال شاشة هاتف لأنهم يدركون أن الصورة تلتقط لحظة لكنها لا تحكي حياةً كاملة.
وفي المناسبات الاجتماعية قد يلتفت الناس أولًا إلى صاحب المظهر الفاخر أو اللقب الكبير لكنهم لا يلبثوا أن يمنحوا احترامهم الحقيقي لمن يتحلى بحسن الخلق ولين الجانب وصدق الحديث فالابتسامة الصادقة والكلمة الطيبة والتواضع تترك أثرًا أبقى من المظاهر مهما بلغت أناقتها.
حتى في المؤسسات أثبتت التجارب أن القائد الناجح ليس أكثرهم حضورًا أمام الكاميرات بل أكثرهم قدرةً على بناء فريقٍ متماسك واتخاذ قرارٍ حكيم وتحمل المسؤولية في الأوقات الصعبة لأن القيادة تُقاس بالأثر لا بالأضواء.
من هنا فإن العقلاء لا يقفون عند الانطباع الأول ولا ينجرفون خلف الألقاب أو الشهرة أو المظاهر ولكنهم يمنحون الزمن فرصةً ليكشف معادن الناس ويجعلون الأخلاق والكفاءة والصدق هي المعيار الذي يبنون عليه أحكامهم وعلاقاتهم.
إن المجتمعات التي تُقدّر الإنسان بعلمه وأمانته وعطائه هي مجتمعات تصنع مستقبلها بثقة,أما المجتمعات التي تنشغل بالبريق أكثر من الجوهر فإنها قد تخسر أفضل عقولها وتمنح التقدير لمن يجيد الظهور أكثر مِنْ مَنْ يجيد العمل.
ولذلك فإن أول علامات العقل الرصين أن يرى الإنسان الحقيقة خلف المظهر والجوهر وراء الصورة وأن يتذكر دائمًا أن المظاهر قد تفتح الأبواب لكن الأخلاق والكفاءة وحدهما هما اللتان تُبقيانها مفتوحة.
ختاماً : العقلاء لا يسألون ماذا يملك الإنسان؟ بل يسألون ماذا يحمل من فكر؟ وما الذي يتركه من أثر؟ فالألقاب تُمنح والمظاهر تُقتنى أما الأخلاق والعقول فلا تُشترى ودمتم سالمين .
كاتب رأي ومستشار أمني


