أطفالنا واليوم الوطني

من هنا وهناك
أطفالنا واليوم الوطني
عبدالله بن سالم المالكي
اليوم الوطني مناسبة سنوية وطنية غالية على كل مواطن تتزين فيها الشوارع بالأعلام، وتعلو فيها الأناشيد، وتتجدد فيها مشاعر الفرح والاعتزاز وهو أيضاً موعدٌ نستعيد فيه ذاكرة الوطن ونستحضر مسيرته ونقرأ حاضرَه بعين الامتنان وننظر إلى مستقبله بثقة وأمل وفي خضم هذه المناسبة الوطنية الغالية يظل أطفالنا في مقدمة المشهد فهم الصفحة التي نكتب فيها اليوم ملامح الغد، والجيل الذي ستؤول إليه مسؤولية مواصلة مسيرة البناء والتنمية.
إن الحديث عن الوطن مع أطفالنا هو جزء أصيل من بناء الشخصية المتوازنة وترسيخ منظومة القيم التي تجعل الإنسان أكثر ارتباطًا بمجتمعه وأكثر وعيًا بحقوقه وواجباته.
فالطفل الذي يتعلم منذ سنواته الأولى أن الوطن أمانة وأن المحافظة على مكتسباته مسؤولية وأن احترام الأنظمة سلوك حضاري وأن الممتلكات العامة حق للجميع وأن الإحسان إلى الآخرين صورة من صور المواطنة ينشأ وهو يدرك أن حب الوطن ليس عبارة تُقال وإنما سلوك يُمارس وعطاءٌ يُقدَّم ومسؤوليةٌ يتحملها الإنسان في تفاصيل حياته اليومية.
ومن هنا تأتي أهمية دور الأسرة فهي المدرسة الأولى التي يتشكل فيها وعي الطفل ومنها يستمد كثيرًا من أفكاره ومواقفه وحين يرى الطفل والديه يحترمان الأنظمة ويحافظان على البيئة ويقدّران العمل ويحرصان على خدمة المجتمع فإنه يتعلم المواطنة قبل أن يقرأ تعريفها في كتاب فالقيم لا تُلقّن بل تُرى وتُمارس وتُعاش.
ولا يقل دور المدرسة أهمية عن دور الأسرة فهي المساحة التي يتسع فيها وعي الطفل من محيطه الصغير إلى مجتمعه ووطنه.
ومن خلالها يمكن تحويل المناسبات الوطنية من مجرد مظاهر احتفالية إلى فرص تربوية تعزز المعرفة بالتاريخ وتعمّق الشعور بالانتماء وتربط الطالب بمشروعات وطنه وإنجازاته وتفتح أمامه أبواب المشاركة والإبداع وخدمة المجتمع.
ولعل أجمل ما يمكن أن نقدمه لأطفالنا في اليوم الوطني أن نُعرّفهم بالوطن كما ينبغي أن يكون في وجدانهم: وطنٌ له تاريخ نفخر به وحاضرٌ نشارك في بنائه ومستقبلٌ نتحمل جميعًا مسؤولية صناعته.
أن نعلّمهم أن الراية التي يرفعونها ليست قطعة قماش وإنما رمزٌ لوطنٍ له مكانته وتاريخه وقيمه وأن الفرح بالوطن لا يكتمل إلا حين يتحول إلى عمل وأن الاعتزاز بالإنجاز لا ينبغي أن يقف عند حدود التصفيق بل يتجاوز ذلك إلى الطموح للمشاركة في إنجازات جديدة.
إن أطفال اليوم ليسوا جمهورًا لمشهد الوطن إنهم جزء من مستقبله وما نزرعه في عقولهم وقلوبهم اليوم سيظهر غدًا في مواقع العمل وفي ميادين العلم وفي ساحات المسؤولية.
ولذلك فإن الاستثمار الحقيقي في اليوم الوطني ليس في كثرة مظاهر الاحتفال وإنما في صناعة إنسان يعرف قيمة وطنه ويحسن تمثيله ويؤمن بأن له دورًا في تقدمه وازدهاره.
وحين نغرس في الطفل حب العلم وإتقان العمل واحترام الآخر والمحافظة على المكتسبات والالتزام بالمسؤولية فإننا لا نربي فردًا صالحًا بل نسهم في بناء مواطن صالح يدرك أن رفعة الوطن تبدأ من رفعة الإنسان.
إن أجمل احتفال بالوطن أن نمنح أبناءنا وعيًا يليق بوطنهم وقيمًا تحمي مكتسباته وطموحًا يتجاوز حدود الحاضر إلى آفاق المستقبل.
فالوطن الذي نحتفي به اليوم سيحتاج غدًا إلى عقول أطفالنا وإبداعاتهم وأخلاقهم وأعمالهم.
وأطفالنا هم الامتداد الحقيقي لمسيرة الوطن وهم الأمل الذي نعقد عليه طموحات الغد وإذا أردنا وطنًا أكثر ازدهارًا وقوةً وتأثيرًا فعلينا أن نبدأ من حيث يبدأ المستقبل: من الطفل.
حفظ الله وطننا، وأدام عليه أمنه واستقراره، وبارك في أبنائه وبناته وجعل أجياله القادمة امتدادًا مشرفًا لمسيرة وطنٍ عزيز ومستقبلٍ يليق بطموحاته.
كاتب رأي ومستشار أمني




