كُتاب الرأي

 

من هنا وهناك

الباطل لا يصبح حقًّا بكثرة ترديده

عبدالله بن سالم المالكي

في زمنٍ أصبحت فيه المعلومة أسرع من التحقق منها وأصبح الخبر يقطع آلاف الكيلومترات قبل أن يقطع صاحبه خطوات قليلة نحو الحقيقة بات الإنسان أمام امتحان يومي هل يصدّق كل ما يسمع، أم يبحث عن المصدر وعن ما يثبت صحته؟

فليس كل ما يتكرر حقيقة وليس كل ما يتصدر المجالس والمنصات جديرًا بالتصديق فقد يبدأ الباطل بكلمة ثم يجد من يردده ومن يضيف إليه ومن يبالغ فيه حتى يعود إلى صاحبه وقد أصبح قصة كاملة لا يعرف من أين جاءت تفاصيلها.

ولذلك هناك حقيقة ينبغي أن نستحضرها كلما واجهتنا شائعة وهي أن الباطل لا يصبح حقاً بكثرة ترديده خصوصًا في أوقات الأزمات والأحداث الكبرى ففي مثل هذه الظروف ينشط المرجفون ويجدون في القلق بيئة خصبة لبث الأخبار المبالغ فيها وإثارة المخاوف وتشويش الصورة أمام المجتمع.

والمرجف لا يحتاج دائمًا إلى اختلاق قصة كاملة فقد يأخذ جزءًا من حقيقة ثم ينتزعه من سياقه ويضيف إليه تفسيرًا من عنده ويقدمه للناس باعتباره حقيقة مكتملة.

وهنا تكمن خطورة الإرجاف لأن أخطر الأكاذيب هي تلك التي تختلط فيها الحقيقة بالباطل حتى يصعب على المتلقي التمييز بينهما.

وقد منحت وسائل التواصل الاجتماعي الشائعة قدرة غير مسبوقة على الانتشار حيث كان الخبر في الماضي يحتاج إلى وقت حتى يصل إلى الناس أما اليوم فقد تكفي رسالة قصيرة أو مقطع مجتزأ أو صورة قديمة يعاد نشرها بعنوان جديد لتبدأ موجة من القلق والتأويلات والتعليقات.

والأخطر أن بعض الناس يشاركون في نشر الشائعة دون أن يقصدوا الإساءة فمثلاً يقرأ أحدهم خبرًا مثيرًا فيسارع إلى إرساله إلى أسرته وأصدقائه ثم يرسله هؤلاء إلى غيرهم وفي دقائق يصبح الخبر واسع الانتشار.

لذلك فإن المسؤولية لا تقع على صانع الشائعة وحده وإنما تمتد إلى كل من ساهم في نشرها و منحها جناحين لتطير.

وهنا يظهر الفرق بين حرية تداول المعلومات والفوضى في تداولها فحرية تداول المعلومات لا تعني أن ننسب إلى الناس ما لم يقولوه ولا أن ننشر الأخبار دون مصادر معتمدة ومعروفة ولا أن نخلط بين التحليل والمعلومة ولا بين التوقع والحقيقة.

ومن حق الإنسان أن يتساءل ويناقش ويحلل لكن من واجبه أيضاً أن يوضح للناس متى يتحدث عن حقيقة موثقة ومتى يقدم رأيًا أو احتمالًا شخصيًا.

وحريٌ بناقل الخبر عبر وسائل التواصل الإجتماعي أن يسبق زر إعادة الإرسال التأكد من صحة الخبر ومصدره وتوجهات المصدر فربما يكون من جهة معادية !!!

وفي الأزمات تحديدًا تصبح الكلمة مسؤولية مضاعفة لأن المجتمع يحتاج إلى الوعي بقدر حاجته إلى المعلومة وهناك فرق كبير بين من ينبه الناس إلى خطر حقيقي استنادًا إلى معلومات موثوقة وبين من يزرع الخوف اعتمادًا على الظنون والتوقعات والعبارات المجهولة .

فكم مِنْ مَن (يقولون) صنعت قلقًا لا أساس له وكم من خبر مجهول المصدر شغل الناس ساعات ثم تبين أنه لم يكن سوى وهم تناقلته الهواتف!!!

إن المجتمع الواعي لا يمنع السؤال لكنه يرفض أن يتحول السؤال إلى شائعة ولا يخشى الحقيقة لكنه يطالب بالدليل عليها.

كما أن الثقة بالمصادر الموثوقة لا تعني إلغاء العقل وإنما تعني استخدامه في مكانه الصحيح في التحقق والمقارنة والتمييز بين الخبر والرأي والتأويل.

ولعل أخطر ما يفعله المرجفون أنهم لا يستهدفون المعلومة وحدها وإنما يستهدفون المعنويات فيضخمون السلبيات ويقللون من الإيجابيات ويصورون الاحتمال كأنه حقيقة والخطأ الفردي كأنه ظاهرة عامة والاستثناء كأنه قاعدة ومع كثرة التكرار قد يشعر المتلقي أن الصورة القاتمة هي الصورة الوحيدة الموجودة.

وهنا تكون مقاومة الشائعة بالوعي وبالحقيقة وبالدليل .

فالحقيقة لا تحتاج إلى أن نضيف إليها شيئًا حتى تكون قوية، كما أن الكذب لا يصبح حقيقة لأن الآلاف تداولوه.

ولهذا فإن من أجمل صور المسؤولية الاجتماعية أن يتوقف الإنسان أحيانًا عن النشر فليست البطولة أن تكون أول من ينقل الخبر بل من الحكمة أن تتريث وتكون أول من يتوقف ليسأل عن صحته.

وفي زمن السرعة قد يصبح التريث شجاعة والتحقق أمانة والصمت عن الخبر المشكوك فيه موقفًا أكثر مسؤولية من نشره.

فلنحذر أن نصبح أدوات مجانية للمرجفين وأن نحمل بأيدينا ما يريدون إيصاله إلى مجتمعنا ولنتذكر أن وحدة المجتمع وطمأنينته تعني التعامل مع الأخبار بعقل ومسؤولية بعيدًا عن التهويل والتضليل وإثارة المخاوف.

وفي الختام ستبقى الحقيقة حقيقة ولو حوصرت بألف شائعة وسيظل الباطل باطلًا ولو تناقلته آلاف الحسابات ورددته آلاف الألسن فالحق لا يستمد قوته من كثرة المصفقين كما أن الباطل لا يصبح حقًّا بكثرة ترديده ودمتم سالمين .

كاتب رأي ومستشار أمني

عبدالله سالم المالكي

لواء.م - كاتب صحفي - مستشار أمني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.