قولوا للناس حُسناً

من هنا وهناك
قولوا للناس حُسناً
عبدالله بن سالم المالكي
ما أكثر الكلمات التي نقولها ثم ننساها وما أكثر الكلمات التي يسمعها الآخرون منا فلا ينسونها!
فالكلمة قد لا تستغرق من قائلها سوى ثوانٍ لكنها قد تبقى في قلب سامعها سنوات كلمة ترفع إنساناً وأخرى تهدمه وكلمة تجبر خاطراً وأخرى تكسره وكلمة تجمع القلوب وأخرى تزرع بينها الخصومة.
ولذلك جاء التوجيه القرآني العظيم في قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: 83].
تأملوا جمال التعبير الرباني : قال عز وجل : للناس ولم يقل للأصدقاء وحدهم ولا للأقارب ولا لمن يوافقونكم الرأي ولا لمن يحسنون إليكم فقط بل للناس جميعاً.
وليس القول الحسن مجاملة زائفة ولا نفاقاً اجتماعياً ولا تنازلاً عن الحق فالإنسان يستطيع أن يختلف دون أن يسيء وينتقد دون أن يجرح ويرفض دون أن يهين وينصح دون أن يتعالى لأن الحق لا يحتاج إلى سوء الأدب حتى يكون قوياً!!.
وفي حياتنا اليومية تمر بنا مواقف كثيرة لا تحتاج إلى المال ولا إلى الجهد بقدر حاجتها إلى كلمة جميلة، موظف أتقن عمله فقل له: شكراً وابن اجتهد فشجعه وزوجة أحسنت فاثنِ عليها وعامل قدّم لك خدمة فابتسم له واشكره ومريض يحتاج إلى من يرفع معنوياته وومهموم ينتظر من يخفف عنه ومخطئ قد تكون النصيحة الهادئة أكثر تأثيراً فيه من ألف كلمة توبيخ.
لكن المؤسف أن بعض الناس يبخلون بالكلمة الجميلة وكأنها تُنقص من أرصدتهم بينما يسرفون في النقد والتجريح وكأنهم مأمورون بتوزيعه!!!
وقد تجد الإنسان كريماً بماله لكنه شديد البخل بمشاعره يحب أبناءه ولا يخبرهم ويقدر زوجته ولا يشكرها ويحترم صديقه ولا يثني عليه ويعجبه نجاح زميله لكنه يصمت وعندما يقع الخطأ من أحدهم تنطلق الكلمات منه بلا حساب.
وهنا تظهر قيمة التربية على ثقافة الكلمة الطيبة، فالأسرة التي يسودها الحوار الجميل تنشأ فيها النفوس أكثر اطمئناناً والبيئة الوظيفية التي يسودها الاحترام تصبح أكثر إنتاجاً والمجتمع الذي يتعلم أفراده أدب الاختلاف يكون أكثر تماسكاً لأن كثيراً من المشكلات لا تبدأ من اختلاف المواقف وإنما من الطريقة التي نعبّر بها عن ذلك الاختلاف.
وفي زمن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت الحاجة إلى هذا الخلق أشد من أي وقت مضى،فخلف الشاشات يكتب البعض ما لا يستطيع قوله وجهاً لوجه وتحوّل الاختلاف عند فئة من الناس إلى خصومة والنقد إلى تجريح والمزاح إلى تنمر وأصبحت بعض الكلمات تُطلق في لحظة غضب ثم تنتشر بين آلاف الناس بينما قد يبقى أثرها النفسي في صاحبها طويلاً.
وقد يعتذر صاحبها لكن ليس كل جرح يداويه الاعتذار وليس كل ما يُقال يمكن استرداده.
و لابد من الإشارة إلى أن القول الحسن لا يعني الكلمات المنمقة بل يشمل اختيار الوقت المناسب والنبرة المناسبة وحفظ كرامة الإنسان فقد تكون النصيحة صحيحة لكن طريقة تقديمها خاطئة وقد تكون الملاحظة في محلها لكن إعلانها أمام الآخرين يحولها من نصيحة إلى إحراج.
وفي المُجْمَل الناس لا يتذكرون دائماً ماذا قدمت لهم، لكنهم كثيراً ما يتذكرون كيف جعلتهم يشعرون أثرك .
فكم من كلمة أعادت الثقة إلى إنسان محبط ؟!وكم من تشجيع غيّر مسيرة شاب ؟! وكم من ثناء صادق دفع موظفاً إلى مزيد من الإبداع ؟!وكم من كلمة حانية أصلحت ما أفسدته ظروف الحياة بين قريبين؟!
وفي المقابل كم من علاقة انتهت بسبب كلمة لم يكن لها داعٍ ؟! وكم من أخوين تباعدا بسبب عبارة قيلت في ساعة غضب؟! وكم من ابن حمل في ذاكرته كلمة قاسية سمعها في طفولته وظلت ترافقه وهو كبير؟!
أخيراً : ازرعوا الكلمات الجميلة في طريقكم، حتى وإن لم تعرفوا أين ستثمر.
وختاماً : الكلمة الطيبة لا تحتاج مالاً ولكنها قد تصنع ما لا يصنعه المال فلا تبخلوا بشيء لا ينقص بالعطاء بل يزيد صاحبه قدراً ومحبةً وأثراً ودمتم متحابين .
كاتب رأي ومستشار أمني


كفو