كُتاب الرأي

من جماليات التتلمذ أن تأخذ العلم والتطبع

من جماليات التتلمذ أن تأخذ العلم والتطبع

بدر بن سالم 

من جماليات طالب العلم أن يأخذ عن معلمه العلم، وأن يتعلم منه الأدب والتطبع وحسن النظر؛ فالمعلم لا يمنحك المعلومة وحدها، بل يسهم في تشكيل قلمك وشخصيتك وطريقة تعاطيك مع الحياة.

وقد تتلمذ ابن القيم الجوزية على شيخ الإسلام ابن تيمية، وتتلمذ عدد من أئمة الدعوة على الشيخ محمد بن عبدالوهاب، كما لازم الإمام مسلم الإمام البخاري وأخذ عنه علمًا كثيرًا. فالعلم في أسمى صوره ليس محفوظاتٍ تُستظهر، وإنما أثرٌ يمتد من معلم إلى تلميذ.

وأول الطريق أن تنتبه إلى نصح معلمك، وأن تترك التغطرس؛ لأن المعلم هو من يقوّم اعوجاج حرفك، ويهذب عبارتك، ويعلمك متى تقول، وكيف تقول، ولماذا تقول.

ومن هنا أجدني أتوقف عند مقال أستاذي ومعلمي الأديب محمد الفريدي، حين كتب عن دور الأدباء. فقد جاءت سرديته جميلة، وأبعاد فكرته واضحة، وفتح في المقال أبوابًا للتأمل تتجاوز ظاهر الكلمات.

فالصحافة علمٌ وحرفة، ولا يكفي فيها أن يمتلك الإنسان قلمًا؛ بل تحتاج إلى متمكن من أدواتها، صادق النوايا، يعرف أن للقلم ميزانًا قد يكون أشد أثرًا من المال. فالكلمة قد تثير العقل، وقد تقود إلى الظلال والانجراف، وقد تبني وعيًا أو تهدمه.

والمثقف والأديب في معركة دائمة مع مجتمعه؛ ليس بمعنى الخصومة، وإنما بمعنى مواجهة الأفكار السائدة، وتصحيح المفاهيم، والوقوف أمام التناقض. وقد ينظر إليك صاحب التعليم المحدود على أنك متكبر، أو صاحب كلام لا يطبقه، بينما يزن الإنسان أحيانًا بماله لا بما يحمله من فكر.

لكن حين ترتطم أمواج الهموم بالإنسان، فإنه يبحث عن المثقف والأديب ليجد عنده كلمةً تداوي شيئًا من ألمه. وهنا تظهر حقيقة المثقف الصادق؛ فهو لا يكتب لإرضاء نزوة، ولا يتحرك بدافع حقد أو انتصار للنفس، وإنما يحمل في داخله رسالة نبيلة.

أما المنافسة الفكرية والأدبية، فهي قديمة قدم الأدب نفسه. يكفي أن نتذكر التنافس بين جرير والفرزدق، وما دار بينهما من نقائض، ثم دخول الأخطل في ذلك المشهد الأدبي في العصر الأموي. فالمنافسة ليست عيبًا، وإنما العيب أن تتحول إلى إسقاط للآخر، أو إلى محاولة لسرقة الأضواء دون امتلاك أدواتها.

وقد قرأت في أخبار العلماء ما يروى عن عبدالله بن المبارك، وكيف كان يستحضر الموت والآخرة، فيغلب عليه التأثر والبكاء؛ وهذه المعاني تذكرنا بأن التنافس الحقيقي ليس على الشهرة، وإنما على ما يبقى للإنسان من أثر صالح.

والتنافس لم يكن مقصورًا على الأدباء؛ فقد تنافس أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما في وجوه الخير، وكان تنافسهما تنافسًا يرفع الإنسان ولا يضعه، ويزيد الخير ولا ينقصه.

وهنا تتسع المسافة بين المنافسة الشريفة وبين من ينظر إلى الناس كأنهم أقزام، ويعشق التناقض، ويتعمد طرح الغريب وغير المألوف ليصطاد به الجهلاء، ثم يقدم نفسه بوصفه أديب العصر ومثقف الأجيال.

والغريب أن بعض هؤلاء تكشفهم كتاباتهم وبياناتهم؛ فالكلمة التي يقولونها اليوم قد تناقض ما قالوه بالأمس. فلماذا؟ لأن بعض الأقلام لا تبحث عن الحقيقة، وإنما تبحث عن «الهبة» أو الموجة، ثم تركبها حتى تهدأ.

أما أستاذي ومعلمي محمد الفريدي، فعندما يكتب كلماته أشعر أنها تأتي كالنسيم البارد؛ تأخذك بهدوء، ثم تفاجئك بأنها طرقت أماكن حرجة في الفكر، كمشرط جراح بارع يعرف موضع الألم ولا يخطئه.

وأحمد الله أن يسّر لي أن أكون بين نخبة من الأدباء في جريدة «آخر أخبار الأرض»، لأتعلم منهم، وأقتبس من تجاربهم، وأضيف شيئًا من الجمال إلى المشهد الثقافي في بلادي، مع نخبة متمكنة من الحرفة، صادقة في رسالتها.

وفي الجريدة أرشيف هائل من المبدعين والأقلام التي تستحق القراءة والاحتفاء، وهذا بحد ذاته مدرسة يتعلم منها من أراد أن يجعل من الكتابة رسالة لا مجرد حضور.

وأعتذر عن هذا الاستبحار في التأمل، فقد كان سببه نص الأستاذ محمد الفريدي عن «مثقفو الثورجية»؛ نصٌ لم يمر بي مرورًا عابرًا، بل دفعني إلى التأمل في المعلم، والتلميذ، والمثقف، والمنافسة، ورسالة القلم.

ولعل أجمل ما في التتلمذ أن تظل، مهما كتبت، مؤمنًا بأن أمامك من تتعلم منه؛ فالقلم الذي يظن أنه بلغ منتهاه، بدأ في الحقيقة يفقد جماله.

كاتب رأي 

 

 

بدر بن سالم

كاتب رأي وروائي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.