حين تصبح الحياة عادة

حين تصبح الحياة عادة
عبدالعزيز الحركان
في البداية، نعيش الأشياء. ثم نعتادها. وهذه واحدة من أكثر التحولات هدوءًا التي تحدث للإنسان، حتى إنه قد لا يلاحظ اللحظة التي انتقل فيها من العيش إلى الاعتياد. في البداية كان للبيت معنى، وللطريق معنى، وللقهوة معنى، ولصوت شخص نحبه معنى. حتى الصباح كان يحمل شيئًا مختلفًا. ثم تكررت الأشياء بالقدر الكافي، فأصبحت عادية. نستيقظ في الوقت نفسه، نذهب إلى الأماكن نفسها، نلتقي الأشخاص أنفسهم، ونعود إلى البيت بالطريق نفسه. تمر الأيام، ويبدو كل شيء مستقرًا. وهذه هي المشكلة أحيانًا. فالاستقرار جميل، لكنه قد يتحول إلى مخدر إذا طال أكثر مما ينبغي. لا يحدث شيء سيئ بالضرورة، لا كارثة ولا خسارة، فقط لا شيء جديد. وهذا النوع من الفراغ يصعب اكتشافه، لأن حياتك من الخارج تبدو جيدة جدًا. قد يسألك أحدهم: «ما الذي ينقصك؟» ولا تعرف ماذا تجيب. فكل شيء موجود، لكن شيئًا ما غائب: الشعور بأنك تعيش ما يحدث، لا أنك تكرره فقط. فالإنسان لا يفقد الأشياء قيمتها لأنها أصبحت أقل جمالًا، وإنما لأنه اعتاد وجودها. قد يعيش سنوات داخل حياة كان يتمناها ذات يوم، ثم يشعر بالضجر منها. ليس لأنها أصبحت سيئة، بل لأنه توقف عن رؤيتها. قد يكون حلمك القديم أمامك الآن، وأنت مشغول بالبحث عن حلم جديد. وقد تكون وصلت إلى المكان الذي كنت تتمنى الوصول إليه، لكنك لم تتوقف لتلاحظ أنك وصلت.
الحياة الحديثة لا تساعدنا كثيرًا على ذلك. كل شيء يدفعنا إلى الخطوة التالية: هدف جديد، تجربة جديدة، سفر جديد، شيء أفضل نشتريه، ونسخة أفضل نتخيل أننا سنصبحها يومًا ما. وكأن السعادة موظف مبيعات يهمس لنا دائمًا: “هناك نسخة أفضل في العرض التالي.”
حتى الراحة أصبحت مشروعًا. نذهب في إجازة ونفكر في التالية، نجلس في مطعم ونبحث عن المطعم القادم، ونلتقط صورة للحظة الجميلة ثم ننشغل بتعديلها حتى تنتهي اللحظة. نحن نعيش بسرعة، ثم نشتكي من أن الحياة تمر سريعًا. ليست الحياة هي التي تسرع. نحن الذين نمر بها دون أن نلتفت. ومع ذلك، لا أظن أن الحل هو الهروب من الروتين.
فالروتين ليس عدوًا. نحن بحاجة إلى بيت نعود إليه، وطريق نعرفه، وأشخاص لا نحتاج معهم إلى تقديم أنفسنا كل مرة. المشكلة تبدأ حين يتحول الروتين من مكان نرتاح فيه إلى مكان نختبئ فيه، حين تصبح الأيام متشابهة إلى درجة أننا لا نتذكر منها إلا أنها مرت. عندها ربما لا نحتاج إلى تغيير حياتنا بالكامل.
نحتاج إلى استعادة انتباهنا إليها. أن نجلس مع شخص نحبه دون أن ننظر إلى الهاتف. أن نشرب القهوة ببطء. أن نسلك طريقًا مختلفًا. أن نقرأ شيئًا لم نخطط له. أن ننظر إلى بيتنا ومدينتنا وأيامنا بعين شخص يراها للمرة الأولى. فأحيانًا لا تحتاج الحياة إلى أن تتغير. نحتاج نحن إلى أن نعود إليها.
هناك أشياء فقدنا الإحساس بها لأنها أصبحت جزءًا ثابتًا من المشهد: صحة نعتبرها مضمونة، وأشخاص نظن أنهم سيبقون، وبيت ينتظرنا كل يوم، ووقت نتصرف معه وكأنه لا ينتهي. ثم يأتي يوم نكتشف فيه أن ما كنا نراه عاديًا كان، في الحقيقة، جزءًا من أجمل ما امتلكناه. لهذا، حين تصبح الحياة عادة، قد لا يكون السؤال: “كيف أغير حياتي؟
بل: “متى توقفت عن رؤيتها؟”
فالحياة لا تفقد معناها دائمًا لأنها أصبحت فقيرة بالأحداث. أحيانًا تفقد معناها لأننا اعتدنا النعم إلى درجة أننا لم نعد نراها. والأيام التي نظن أنها متشابهة قد تكون آخر أيام كثيرة لن تتكرر. نحن فقط لا نعرف أيها الأخيرة. ولهذا، ربما يستحق هذا اليوم العادي جدًا شيئًا من الانتباه. فقد نكتشف بعد سنوات أننا كنا نعيش أجمل أيامنا، لكننا كنا مشغولين جدًا بانتظار أيام أجمل.