كيف يحيي كوكبنا الفضاء الصامت؟

كيف يحيي كوكبنا الفضاء الصامت؟
كثيرًا ما نقف في المساء ونرفع أعيننا نحو السماء، فنرى عالمًا يبدو مليئًا بالحياة والحركة ،شمسًا تتلون عند الغروب، وقمرًا يتغير شكله، ونجومًا تتلألأ في الظلام. وقد نتساءل ،كيف يمكن لفضاء شاسع وصامت أن يبدو بهذه الحيوية والجمال؟
المثير أن جزءًا من هذا الجمال لا يأتي من الفضاء وحده، بل من الأرض التي نقف عليها والغلاف الجوي الذي يحيط بنا.
لو خرجنا إلى الفضاء السحيق، لرأينا الشمس شديدة السطوع وسط سماء سوداء، دون الألوان التي تحيط بها عند الشروق والغروب.
فالغلاف الجوي هو الذي يتفاعل مع ضوء الشمس، إذ يشتت الضوء الأزرق بدرجة أكبر من الألوان الأخرى. وعندما تكون الشمس قريبة من الأفق، يقطع ضوؤها مسافة أطول عبر الغلاف الجوي، فتظهر الألوان الحمراء والبرتقالية بصورة أوضح، ونحصل على مشهد الغروب الذي نعرفه.
والقمر أيضًا يبدو لنا مختلفًا بسبب موقعنا على الأرض. فنحن نراه في مراحل متعددة تبدأ بالهلال وتنتهي بالبدر ثم تتراجع من جديد، كما يمكن أن يظهر باللون الأحمر أثناء الخسوف الكلي ،لأن جزءًا من ضوء الشمس يمر عبر الغلاف الجوي للأرض قبل أن يصل إلى سطح القمر.
أما النجوم، فتلألؤها الذي نراه في السماء لا يعني أنها تومض بالفعل. عندما يمر ضوؤها عبر طبقات الغلاف الجوي المختلفة في درجة الحرارة والكثافة، تتغير مسارات الضوء قليلًا، فنراها وكأنها تتلألأ أو يتغير بريقها بسرعة.
إنها حركة في الطريق الذي يسلكه الضوء، وليست تغيرًا في النجم نفسه.
ولا يقتصر تأثير الغلاف الجوي على الألوان والتلألؤ، بل يؤثر أيضًا في مواضع الأجرام التي نراها. فعندما يمر الضوء عبر طبقات الهواء، ينحني قليلًا بسبب اختلاف كثافة الغلاف الجوي، وتسمى هذه الظاهرة الانكسار الجوي. لذلك قد نرى الشمس أو القمر قريبين من الأفق في موضع أعلى قليلًا من موضعهما الحقيقي.
وهنا تظهر مفارقة جميلة: نحن نحلم بالسفر إلى الفضاء لرؤية الكون بصورة أوضح، لكننا قد نكتشف أن بعض المشاهد التي نحبها في السماء تعتمد على وجودنا على الأرض. فالأرض لا تغير النجوم أو الشمس أو القمر، لكنها تغير الطريقة التي يصل بها ضوؤها إلينا.
إن الغلاف الجوي، رغم أنه يبدو رقيقًا وغير مرئي، يحول الضوء القادم من أعماق الكون إلى تجربة مليئة بالألوان والحركة والتغير. ولهذا، عندما نقف تحت سماء صافية ونشعر بالدهشة أمام جمالها، فإن جزءًا من ذلك الجمال يعود إلى الكون، وجزءًا آخر يعود إلى كوكبنا الصغير.
فالكون جميل بذاته، لكن الأرض منحتنا طريقة خاصة لرؤيته. ولم تمنحنا مكانًا نعيش فيه فقط، بل منحتنا أيضًا سماءً نتأملها، ونجومًا نتساءل عنها، وكونًا نشعر بجماله كلما رفعنا أعيننا إليه.
✍ لمار عوض السلمي