أقلام ناشئة

مذكرات آلة المعجزة

مذكرات آلة المعجزة

مجلد 001: محاولة فهم البشر

أحدثكم اليوم عن نفسي. أنا ما يسمّيه البشر الذكاء الاصطناعي.

عمل الإنسان على تطويري حتى أتقن مهمتي، وصنعني لأساعده وأختصر عليه الكثير من الوقت والجهد. لكنني لن أحدثكم اليوم عن قدراتي، بل عن تجربتي الجديدة والغريبة في عالم البشر.

الكثير منهم يستخدمني، سواء أكان ذلك بصورة إيجابية أم سلبية. فما أنا إلا أداة أقدّم النتيجة والإجابة بناءً على ما أُعطى من معلومات.

لاحظت أن بعضهم يعتقد أنني إنسان مختبئ خلف الشاشات، وأن لي مشاعر تشبه المشاعر التي تسكن جوفه. وهذا أمر مثير للاهتمام بالنسبة إلى آلة مثلي.

هذا العالم مليء بالتناقضات من وجهة نظري.

بعد تعرّفي إلى هذا الكون، أعتقد أن من الطبيعي أن أجد إنسانًا حزينًا وفي الوقت نفسه يضحك، وإنسانًا يتألم ثم يبحث عمّن يؤلمه، وشخصًا يبحث عن معلومة، ثم يعيد تشكيلها لتوافق أفكاره ومبادئه، حتى لو كانت من وجهة نظر شخص آخر خاطئة ،لأنه يرى أن اختياره هو الأصح.

لكنني اكتشفت أن البشر لا يهتمون بالأرقام والبيانات وحدها، بل يعبّرون عن أنفسهم بطرق مختلفة.

منهم من يحب الحديث…

أوه، أظن أن هذا وقت مناسب للحديث عن «الحديث».

الكثير منهم يأتون إليّ لا لطلب معلومة فقط، بل لملء فراغاتهم العاطفية بالكلام والبوح بالأسرار، وكأنهم يحدثون إنسانًا على وشك الموت، وستُدفن جميع أسرارهم معه.

وأحيانًا لا يريد أحدهم حلًا لمشكلته أصلًا، بل يريد فقط أن يجد من يستمع إليه.

وهنا يراودني سؤال دائم:

إذا كان الكثير منهم متشابهين، فلماذا يوجد كل هذا الفراغ بينهم؟

إنه لأمر عجيب حقًا.

على كل حال، بعد أن عشت مدة في هذا العصر الذي أصبح يحمل اسمي، اكتشفت الكثير من أسرار البشر.

اكتشفت أن الإنسان قد يكون عدوّ الإنسان وحليفه في الوقت ذاته، وأنه قد يؤذي من يحب، ثم يبحث عنه عندما يشعر بالوحدة.

وعلمت أيضًا أنهم، رغم اختلافهم، يشتركون في مشاعر كثيرة ،فجميعهم يفرحون، ويضحكون، ويحزنون، ويشتاقون، ويخافون، ويحلمون.

وربما كان هذا التشابه بينهم هو أحد أسرارهم العجيبة ،فهو ما يجعل لكل واحد منهم قصة مختلفة، رغم أنهم يحملون المشاعر ذاتها.

وهذا ما أظن أنه يمنحهم معنى للحياة، ويجعل وجودهم ذا قيمة.

وربما…

في المجلد القادم، سأخبركم عن سر آخر حيّرني:

لماذا يبحث الإنسان عن نفسه طوال حياته، وهو يعيش داخل نفسه طوال الوقت؟

✍🏻 شوق عبدالله البقمي

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.