أقلام ناشئة

وشاحٌ أحمر تحت الشمس

وشاحٌ أحمر تحت الشمس

في إحدى القرى القديمة، حين يسطع ضوء الشمس فوق البيوت الطينية ويغمر الأزقة الدافئة، كانت هناك فتاة تُدعى سُلَمى .فتاة تشبه خيطًا من نور الصباح، بقلبٍ أبيض يزرع الطمأنينة في كل من حوله.
لكن ذلك الضوء انطفأ مبكرًا بسبب أناسٍ حملوا اسم العائلة دون أن يعرفوا معنى الرحمة.

كبرت سلمى وهي تحمل الحطب فوق كتفيها الصغيرتين، تتخفى بثوبٍ واسع وشماغٍ أحمر كأنها فتى، تعمل بصمت وتعيش بصمت، حتى نسيت كيف تبدو الحياة الطبيعية لطفلةٍ في عمرها.
كانت جميلة على نحوٍ هادئ ،غمازتان تظهران حين تبتسم نادرًا، وعينان واسعتان تختبئ داخلهما حكايات طويلة من التعب.

وحين بلغت السادسة عشرة، هربت من ذلك المنزل دون أن تلتفت خلفها.

عملت في نقل البضائع بين القرى، وفي أحد الأيام سقطت أرضًا من شدة التعب وهي تحاول حمل كيسٍ أثقل من قدرتها.
اقتربت منها امرأة مسنّة عُرفت بين أهل القرية بخبرتها في العلاج الشعبي، وقالت بغضبٍ لمن حولها:
“أما فيكم رجل يساعد هذا الفتى؟”

وحين رفعت الشماغ عن وجهها أدركت الحقيقة ،لم تكن فتى، بل فتاة أنهكها العالم قبل أوانها.

أخذتها المرأة إلى منزلها الصغير عند طرف القرية، واحتضنتها كما لو أنها عثرت أخيرًا على الابنة التي حُرمت منها طوال حياتها.
لكن سلمى لم تعتد الحنان؛ كانت ترتبك من اللمس، قليلة الكلام، وعيناها وحدهما تتحدثان نيابة عنها.

ومع مرور الأيام بدأت تتغير ببطء.
تعرّفت على فتيات الحي، وضحكت لأول مرة دون خوف، وتعلمت أن تجلس مع الآخرين دون أن تستعد للهروب.
أصبحت ترى في تلك السيدة أمًا حقيقية، وفي المنزل الصغير وطنًا لم تعرفه من قبل.

لكن الحياة لم تمنحها الطمأنينة طويلًا.

ففي ليلة باردة، رحلت السيدة العجوز بهدوء، بعد أن أوصت جارتها وابنتيها بسلمى قائلة:
“لا تتركوها وحدها… هذه الفتاة تحمل وجعًا أكبر من عمرها.”

عادت سلمى للعمل من جديد، ترتدي ثوبها الرجالي وتتلثم بالشماغ الأحمر، تخفي نفسها عن العيون.
ثم وصلها خبرٌ كالصاعقة،
أمها تحتضر، وزوج أمها ما زال يبحث عنها.

قررت الرحيل إلى القرى البعيدة قبل أن يجدها، لكنها حين همّت بالمغادرة أمسكت بها إحدى صديقاتها وهي تبكي:
“إلى أين ستذهبين وحدك؟”

وقالت الأم، وهي تضمها إلى صدرها:
“أنتِ ابنتي الثالثة يا سلمى… وقد أوصتني بكِ فلانة.”

في تلك اللحظة فقط ،فهمت سلمى أمرًا لم تدركه طوال حياتها،
أن العائلة ليست دمًا دائمًا، بل قلبٌ يختارك دون خوف.

مرت السنوات، وكبرت سلمى بين تلك العائلة الجديدة.
تعلمت الخياطة والعلاج بالأعشاب كما كانت تفعل المرأة العجوز، وصار أهل القرية يقصدون منزلها طلبًا للعلاج أو النصيحة.
وكان الأطفال يركضون نحوها كلما مرت، لأنها لم تكن ترد أحدًا محتاجًا.

أما الشماغ الأحمر الذي كانت تخفي به نفسها يومًا، فقد علّقته قرب نافذتها كتذكار…
ليس لمرحلة ضعف، بل لمرحلة نجاة.

وفي صباحٍ مشرق، وقفت سلمى أمام باب منزلها تنظر للشمس التي غمرت أروقة القرية، ثم ابتسمت أخيرًا ،
ابتسامة حقيقية، ظهرت معها غمازتاها بوضوح.

كأن الضوء الذي انطفأ يومًا…
عاد إليها من جديد.

✍🏻شوق عبدالله البقمي

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.