تفاوض تحت تهديد الضربات الواسعة .. من يتراجع أولا؟

تفاوض تحت تهديد الضربات الواسعة .. من يتراجع أولا؟
رؤية تحليلية عسكرية .
الأحد الموافق ( 4 ) أكتوبر ( 2026 )م .
كتبه؛ اللواء البحري الركن المتقاعد / عبدالله بن سعيد الغامدي دبلوماسي سابق وخبير في الدراسات الاستراتيجية .
عندما تدخل القوة العسكرية غرفة التفاوض ، فإن الكلمات لا تعود وحدها هي التي تحدد شروط الاتفاق ؛ بل ميزان القوة ، والقدرة على الردع ، ومن يحتفظ بالمبادأة وحرية العمل .
لم يعد الخلاف بين الولايات المتحدة والنظام الإيراني يدور حول سؤال : هل يتفاوضان؟ فالاتصالات غير المباشرة قائمة ، والوسطاء يتحركون ، والمقترحات والردود تنتقل بين الطرفين .
السؤال الأخطر أصبح : بأي ميزان قوة يدخل الطرفان التفاوض ، ومن يستطيع الصمود أطول تحت الضغط؟
وهنا يأتي مضيق هرمز في قلب المواجهة .
فقد أعلن رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف أن المضيق لن يفتح قبل استيفاء سبعة شروط إيرانية ، مؤكدا أن طهران تقاتل وتتفاوض في الوقت نفسه . وهذه العبارة تختصر منهج النظام الإيراني في هذه المرحلة : استخدام الدبلوماسية والميدان معا ، وجعل التأثير في حركة الملاحة عبر هرمز إحدى أوراق القوة الرئيسية في المواجهة .
لكن الشروط السبعة ينبغي قراءتها أيضا بوصفها سقفا تفاوضيا مرتفعا ، فليس كل شرط معلن بالضرورة خطا أحمر نهائيا ؛ وقد تكون بعض المطالب جزءا من موقف افتتاحي يسبق المساومة الحقيقية . ولذلك فإن الاختبار الأهم ليس فيما تعلنه طهران عند رفع السقف ، بل فيما تتمسك به عندما تبدأ الأخذ والعطاء .
وهرمز نفسه سلاح ذو حدين .
فهو يمنح النظام الإيراني قدرة على رفع كلفة الأزمة ، لكن استمرار اضطراب الملاحة يوسع دائرة الدول المتضررة ، وينقل القضية تدريجيا من مواجهة أمريكية ـ إيرانية إلى تهديد يمس أمن الطاقة وحرية الملاحة الدولية . وهنا قد تتحول أقوى أوراق الضغط الإيرانية إلى إحدى أكثرها خطرا على طهران نفسها إذا اتسعت دائرة القوى الرافضة لاستمرار تعطيل الملاحة .
وتزداد خطورة هذه الورقة مع استمرار الحوادث البحرية ؛ فقد تعرضت ناقلة اليوم لمقذوف في المضيق وأصيبت غرفة محركاتها ، دون أن تتحدد بعد الجهة المسؤولة . وهذا يعني أن التفاوض يجري فوق ممر بحري ما زال معرضا للاحتكاك ، وأن حادثا واحدا سيئ التقدير قد يسبق قرار السياسيين أنفسهم .
وفي المقابل ، لم تعد المسألة مجرد رفض أمريكي لمقترح إيراني سابق ؛ فقد تسلمت طهران ردا أمريكيا عبر الوسطاء القطريين ، وأبلغت واشنطن بمواقفها من بعض ما ورد فيه ، فيما بقيت نقاط أخرى قيد التبادل . وبذلك انتقل التفاوض خطوة إلى الأمام من عرض المواقف إلى الاشتباك حول مضمون التسوية وترتيب تنفيذ خطواتها . وهنا يصبح السؤال أكثر دقة : من يقدم الخطوة الأولى؟ ومن يحتفظ بأوراق الضغط حتى اللحظة الأخيرة؟
وفي تقدير الموقف ، لا يقاس تفوق أي من الطرفين بما يملكه من قوة نارية أو أوراق ضغط فقط ، بل بقدرته على الاستمرار تحت الضغط مع حرمان خصمه من تحقيق غايته السياسية .
وهنا يدخل الزمن نفسه عنصرا في ميزان القوة .
وتبدو واشنطن معتمدة على استمرار الضغط العسكري والاقتصادي واحتفاظها بحرية العمل ، فيما تحاول طهران رفع كلفة الانتظار والتأثير في الملاحة والمحافظة على قدرتها على الرد . والطرف القادر على تحمل الضغط مدة أطول ، مع الحفاظ على تماسك قراره وأدوات قوته ، قد يدخل جولة تفاوض لاحقة بأوراق أقوى .
وفي الخلفية تبقى الجاهزية العملياتية حاضرة بقوة . فطهران تعلن استعدادها للدبلوماسية ، لكنها تتحدث في الوقت نفسه عن استعداد أكبر للرد إذا عادت واشنطن إلى الخيار العسكري ، بينما أعلن الجيش الإيراني عزمه تطوير مدى صواريخه . وهذه إشارات لا تثبت أن الحرب وشيكة ، لكنها تؤكد أن التفاوض يجري فيما يحتفظ الطرفان بخيارات القوة ، وأن كليهما يحاول تحسين موقعه قبل حسم الجولة التالية .
فتح باب التفاوض لا يعني أن باب الحرب قد أغلق . والتفاوض الجاري لا يلغي احتمال عودة الضربات الأمريكية التي تناولنا مؤشرات اقترابها سابقا ؛ بل قد يمثل مرحلة لإعادة ترتيب شروط التسوية قبل أن يقرر أحد الطرفين العودة إلى استخدام القوة .
وإذا عادت الضربات ، فلن يكون المعيار العسكري حجم النيران وحده ، وإنما ما الذي أصابته ، وما الذي عطلته ، وما الذي بقي قادرا على القتال بعدها . وهنا تصبح القيادة والسيطرة ، والقدرات الصاروخية ، والدفاع الجوي ، واستمرار القدرة على الرد مؤشرات أهم من عدد الضربات وحده .
وفي المقابل ، سيكون الاختبار الإيراني في القدرة على امتصاص الضربة ، والمحافظة على تماسك القيادة والسيطرة ، ثم تنفيذ رد مؤثر دون الانزلاق إلى مستوى من التصعيد يصعب التحكم فيه .
وهنا يصبح سوء التقدير أخطر عناصر المواجهة ؛ لأن أحد الطرفين قد يخطئ في تقدير قوة خصمه ، وفي تقدير قدرته على الاحتمال وإرادته في مواصلة القتال .
وأمام الطرفين ثلاثة مسارات : تسوية مرحلية ، أو مراوحة مسلحة تستمر فيها المفاوضات والضغوط معا ، أو التصعيد وعودة الضربات الواسعة وما يتبعها من رد ورد مضاد .
والاستنتاج الأهم أن التفاوض الحالي قد لا يكون نقيضا للحرب ، بل إحدى مراحل إدارة الصراع قبل حسم مسار الجولة التالية .
وبين الشروط الإيرانية والرد الأمريكي ، لم يعد هرمز مجرد مضيق تنتظر السفن فتحه ؛ بل أصبح اختبارا للإرادات والقدرة على الاحتمال . وفي مثل هذه الأزمات قد لا تبدأ الحرب لأن أحد الطرفين أرادها ، بل لأن أحدهما أخطأ في حساب إرادة الآخر . وعندها قد تكون المسافة بين محاولة التفاوض والضربات الواسعة أقصر مما يظن الطرفان .

