كُتاب الرأي

نجاة… حين تغنّى الطفولة

نجاة… حين تغنّى الطفولة

بقلم: د. بكري بن معتوق عساس

لم تُولد الموهبة الكبيرة دائمًا في أضواء المسارح، بل كثيرًا ما تبدأ في زوايا البيوت، حيث تلتقط الأذن الصغيرة نغمة عابرة لتصنع منها مستقبلًا كاملًا. هكذا كانت بداية الفنانة نجاة الصغيرة، التي برزت موهبتها وهي لم تتجاوز الرابعة من عمرها.

في أوائل أربعينيات القرن الماضي، كان الموسيقار عز الدين حسني يُدرّب شقيقه سامي على إحدى الجمل اللحنية، حين لاحظ والده أن الطفلة نجاة تتابع اللحن بدقة وتضبط الإيقاع بساقيها دون خطأ. اختبرها عز الدين، ففوجئ بأنها حفظت الجملة الموسيقية من أول مرة، فأدرك أنه أمام موهبة استثنائية تستحق الرعاية.

منذ ذلك اليوم، تولّى تعليمها أصول الغناء، وحرص على أن تحفظ روائع أم كلثوم، لتنشأ على أسس موسيقية راسخة. ومن هذه البدايات وُلدت فرقة نجاة العائلية التي ضمّت الأشقاء: نجاة مطربةً، وعز الدين حسني عازفًا للكمان، وفاروق حسني على القانون، وسميرة حسني التي أتقنت الكمان والعود والقانون، وسامي حسني على الرق والكمان.

سرعان ما لفتت الفرقة الأنظار، وتسابقت الصحف والمجلات الفنية للحديث عن «المطربة الطفلة نجاة الصغيرة»، التي أدهشت الجمهور بصفاء صوتها وقوة إحساسها رغم حداثة سنها.

وفي عام 1942 قدّم عز الدين حسني لشقيقته أول ألحانه «يا كروان غني» من كلمات محمد عرابي، وقدّمته نجاة في حفل بالإذاعة أُقيم في معهد فؤاد الأول للموسيقى العربية، فحقق نجاحًا كبيرًا. ثم توالت الأغنيات مثل «أنا عايزة ألعب وأغني» و«هلال العيد»، لترسخ مكانتها بوصفها أشهر طفلة مطربة في العالم العربي آنذاك.

ولم يقتصر أثر هذه التجربة على نجاة وحدها، بل أسهمت أيضًا في إبراز موهبة عز الدين حسني، الذي أصبح لاحقًا من أبرز عازفي الكمان، وانضم إلى فرقة أم كلثوم، فيما واصلت نجاة رحلتها الفنية حتى أصبحت إحدى أيقونات الغناء العربي، وتميزت بأسلوبها الهادئ وانتقائها الدقيق للكلمة واللحن، وقدّمت لاحقًا روائع خالدة تعاونت فيها مع كبار الشعراء والملحنين، لتغدو مدرسة فنية قائمة بذاتها.

إن قصة نجاة الصغيرة تؤكد أن الموهبة تحتاج إلى عين تكتشفها، وأسرة تؤمن بها، وبيئة ترعاها. وما بدأ بطفلة تدق الإيقاع بساقيها داخل منزلها، انتهى بصوتٍ ظل لعقود أحد أكثر الأصوات رقةً وتأثيرًا في الوجدان العربي.

كاتب رأي 

 

معالي الدكتور بكري عساس

مدير جامعة أم القرى سابقا وأديب سعودي وكاتب رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.