*ماذا يريد النظام الإيراني . ؟*

*ماذا يريد النظام الإيراني . ؟*
*رؤية تحليلية استراتيجية .*
*الجزء 1 من 2 .*
*الأحد الموافق 12 يوليو 2026م*
بقلم اللواء البحري الركن المتقاعد / عبدالله بن سعيد الغامدي
الملحق العسكري السعودي السابق لدى جمهورية باكستان الإسلامية .
مجددا ؛ قد يكون أكبر خطأ استراتيجي يقع فيه المحللون اليوم هو الاعتقاد بأن النظام الإيراني يخوض هذه الحرب من أجل تحقيق نصر عسكري تقليدي. فالحروب الحديثة لا تقاس دائما بما تدمره من قواعد ومنشآت، بل بما تغيره من قرارات سياسية، وما تعيد تشكيله من موازين ردع، وما تفرضه من معادلات جديدة على الخصوم. ومن يقرأ الاعتداءات الإيرانية الأخيرة على عدد من دول مجلس التعاون لدول الخليج العربي، وامتداد التهديد إلى المملكة الأردنية الهاشمية، واستهداف الملاحة الدولية في مضيق هرمز، يدرك أن النظام الإيراني لم يعد يقاتل على حدود دولته فقط، بل أصبح يقاتل دفاعا عن مشروعه السياسي الهجومي التخريبي للمنطقة ، وعن الرواية التي بنى عليها نفوذه الإقليمي والمنطقة طوال ما يقارب خمسة عقود.
ومن هنا يبرز السؤال الحقيقي:
ماذا يريد النظام الإيراني؟
في تقديري، لا يريد النظام الإيراني كسب الحرب بقدر ما يريد منع الهزيمة السياسية. إنه لا يسعى إلى احتلال أرض، ولا إلى إسقاط عاصمة، لأنه يدرك قبل غيره أن موازين القوة العسكرية التقليدية لا تعمل لمصلحته. ولذلك أنتقل إلى ساحة أخرى أكثر خطورة، هي ساحة التأثير في القرار السياسي لخصومه. لقد تحولت الصواريخ والطائرات المسيرة من وسائل قتال إلى أدوات ضغط، وتحولت الجغرافيا إلى وسيلة لإعادة تشكيل الإرادة السياسية للدول.
إنها ليست حرب احتلال أرض… بل حرب احتلال قرار.
وهذا هو مفتاح فهم السلوك الإيراني كله.
فعندما تعرضت المنشآت العسكرية الإيرانية، والقواعد الساحلية، وشبكات الاتصالات، ومواقع الصواريخ والطائرات المسيرة، لضربات أمريكية متلاحقة، لم يتجه النظام إلى إحتواء التصعيد أو إعادة تقييم خياراته، وإنما إختار توسيع رقعة الحرب، واستهداف دول لم تكن طرفا مباشرا في المواجهة، وتهديد أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
هذا القرار لا يعكس قوة بقدر ما يعكس طبيعة العقيدة التي تحكم النظام الإيراني. فبدلا من تقليص دائرة الصراع، يسعى إلى توسيعها، وبدلا من حصر المواجهة في ميدانها العسكري، يعمل على نقلها إلى المجالين السياسي والاقتصادي، حتى تصبح كلفة استمرار الضغط عليه أعلى من كلفة التراجع عنه.
لقد أصبحت الرسالة الإيرانية واضحة: إذا تعرض النظام للخطر، فلن يبقى الاستقرار في المنطقة بمنأى عن الخطر.
هذه ليست سياسة دفاع عن النفس، وإنما سياسة هجومية غايتها نقل الأزمة إلى الآخرين، وتحويل دول الجوار إلى جزء من معادلة الصراع، حتى وإن لم تكن صاحبة قرار فيه.
ولذلك فإن استهداف قطر والكويت والبحرين وسلطنة عمان، وتهديد دولة الإمارات العربية المتحدة، ووصول آثار الهجمات إلى الأردن، لم يكن نتيجة توسع عشوائي في العمليات العسكرية، بل جاء ضمن محاولة محسوبة لرفع كلفة القرار السياسي لدى العواصم المؤثرة، وإيصال رسالة مفادها أن استمرار الحرب على إيران يعني اتساع الحرب على الجميع.
إن النظام الإيراني لا يريد فقط تغيير القرار الأمريكي، بل يريد أيضا التأثير في القرار الخليجي والعربي ، وإرباك حسابات المجتمع الدولي، وإدخال الاقتصاد العالمي في دائرة الضغط، عبر تهديد الملاحة الدولية وأمن الطاقة.
وهنا تتجلى أخطر مراحل التفكير الاستراتيجي الإيراني.
فبعد أن عجز عن تغيير ميزان القوة العسكرية، انتقل إلى محاولة تغيير ميزان القرار السياسي.
وهذه نقطة فارقة في فهم طبيعة الصراع.
فالدول الواثقة من قدرتها على الحسم العسكري تسعى إلى إنهاء الحرب بأسرع وقت، أما الأنظمة التي تدرك محدودية قدرتها على الحسم، فإنها غالبا ما تعمل على إطالة أمد الأزمة، ورفع كلفتها، وتحويل الوقت نفسه إلى سلاح استراتيجي تستنزف به خصومها، أملا في أن يتغير القرار السياسي قبل أن يتغير ميزان القوة العسكري.
وهذا ما يفسر انتقال النظام الإيراني من الدفاع عن حدوده إلى تهديد محيطه، ومن حماية منشآته إلى تهديد الممرات البحرية، ومن مواجهة خصمه المباشر إلى استهداف البيئة الإقليمية والمنطقة بأكملها.
فالمعركة، في نظره، لم تعد تدور حول من يسيطر على الميدان، وإنما حول من يستطيع التأثير في إرادة الطرف الآخر.
ومن هنا يمكن فهم التهديدات المتكررة لمضيق هرمز، واستهداف السفن التجارية، ومحاولة تحويل أحد أهم الممرات البحرية في العالم إلى ورقة مساومة سياسية، رغم أن هذا المضيق يمثل أيضا شريانا حيويا للمصالح الإيرانية نفسها.
*إنها سياسة تقوم على مبدأ بسيط لكنه شديد الخطورة: إذا لم يستطع النظام أن يفرض الأمن لنفسه، فسوف يحرم الآخرين منه.*
كاتب رأي

