كُتاب الرأي

جزاء المعتدي… ضربة مدوية . الجزء 1 من 2 .

جزاء المعتدي… ضربة مدوية .
الجزء 1 من 2 .

رؤية تحليلية استراتيجية .

الخميس الموافق (9) يوليو 2026م .

بقلم . 
اللواء البحري الركن المتقاعد /  عبدالله بن سعيد الغامدي
الملحق العسكري السعودي السابق لدى جمهورية باكستان الإسلامية .

قد تستطيع دولة أن تدمر في ساعات عشرات القواعد والمنشآت العسكرية، لكنها قد تعجز عن تدمير الفكرة التي أنشأتها. وقد تنجح في إسكات المدافع مؤقتا، لكنها لا تحقق الردع الحقيقي إلا إذا غيرت طريقة تفكير خصمها. ولذلك فإن القيمة الاستراتيجية لأي ضربة لا تقاس بحجم الانفجارات التي تحدثها، ولا بعدد الأهداف التي تدمرها، وإنما بقدرتها على إعادة تشكيل حسابات الخصم، وتغيير سلوكه، وإعادة رسم معادلات القوة.
ومن هذا المنطلق، فإن الضربات الأمريكية الواسعة التي أعقبت الاعتداءات الإيرانية على الملاحة الدولية، وما تبعها من إعلان الرئيس الأمريكي / دونالد ترامب استمرار الرد إذا تكرر التهديد، تمثل تحولا يتجاوز بعده العسكري المباشر، ليؤسس لمرحلة جديدة في مفهوم الردع وإدارة الصراع في الشرق الأوسط.
إن ما جرى خلال اليومين الماضيين لم يكن مجرد تبادل للقصف، بل انتقالا واضحا من سياسة 【الرد على العدوان】 إلى سياسة 【حرمان المعتدي من القدرة】. فالمقصود لم يعد الاقتصاص من هجوم وقع، وإنما تجريد الخصم من الوسائل العسكرية التي تمكنه من إعادة تهديد الملاحة الدولية، واستهداف الوحدات العسكرية، وفرض معادلات جديدة بقوة السلاح.
ومن منظور عسكري قيادي، فإن هذا التحول يعكس انتقال العمليات من التعامل مع النتائج إلى استهداف 【مركز الثقل】 الذي تستند إليه القدرة العملياتية للخصم. فالغاية لم تعد تدمير منصة إطلاق أو مستودع ذخيرة فحسب، وإنما إضعاف البنية العسكرية التي تمنح النظام الإيراني القدرة على المبادأة أو المبادرة ، وتقليص 【العمق العملياتي】 الذي يعتمد عليه في إدارة التصعيد، ورفع 【تكلفة العدوان】 إلى مستوى يفوق أي مكسب يمكن تحقيقه.
لقد راهن النظام الإيراني، طوال ما يقارب سبعة وأربعين عاما، على سياسة تصدير الأزمات، ودعم التنظيمات الارهابية المسلحة العابرة للحدود والعصابات الدولية الإجرامية المنظمة ، واستخدام التهديد العسكري وسيلة لفرض النفوذ السياسي، مع توظيف الموقع الجغرافي ومضيق هرمز كورقة ابتزاز في مواجهة المجتمع الدولي. وقد حققت هذه السياسة مكاسب تكتيكية محدودة في بعض المراحل – وفق زعمه – ، لكنها أفرزت في المقابل عزلة متزايدة، واستنزافا اقتصاديا، وتراجعا في الثقة الإقليمية والدولية، حتى أصبحت الأزمات نفسها عبئا متراكما على من صنعها.
ولذلك، فإن الضربات الأخيرة لا ينبغي أن تقرأ من زاوية عدد الأهداف التي أصيبت، بل من زاوية الرسالة التي حملتها. فحين يصبح أمن الممرات البحرية جزءا من أمن الاقتصاد العالمي، فإن أي تهديد لحرية الملاحة يتحول تلقائيا إلى تهديد للمصالح الدولية، ويستدعي استجابة تختلف عن ردود الفعل التقليدية. ومن هنا، فإن 【حرية الملاحة الدولية】 لم تعد مجرد مبدأ قانوني، بل أصبحت ركنا أساسيا في معادلة الردع العسكري، لأن المساس بها لا يهدد دولة بعينها، بل يهدد استقرار الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد والطاقة.
غير أن الخبرة العسكرية تؤكد أن تدمير القدرات لا يعني بالضرورة تغيير العقائد. فقد تخسر دولة جزءا كبيرا من بنيتها العسكرية، لكنها تعيد بناءها إذا بقيت الفلسفة الهجومية الصائلة التي تحكم قرارها السياسي والعسكري دون مراجعة. ولذلك فإن الاختبار الحقيقي لهذه الضربات لن يكون في حجم الدمار الذي أحدثته، بل في مدى تأثيرها على القرار الاستراتيجي للنظام الإيراني، وهل أصبح يدرك أن استمرار سياسة تهديد الجوار، ودعم التنظيمات الارهابية المسلحة العابرة للحدود، وتهديد الملاحة الدولية، لم يعد خيارا منخفض الكلفة كما كان يعتقد.
ويبقى السؤال الذي سيحكم قيمة هذه الضربة بعد انقشاع دخان القصف و المعركة: هل نجحت في إصابة القدرات العسكرية فحسب، أم أنها أصابت العقل الاستراتيجي الذي أنتج تلك القدرات؟ لأن الإجابة عن هذا السؤال هي التي سترسم مستقبل الصراع، لا نتائج الساعات الأولى، ولا عدد الأهداف التي دمرت، بل حجم التحول الذي ستحدثه في حسابات الخصم، وفي مستقبل الأمن الإقليمي بأسره.

كاتب رأي 

 

اللواء عبدالله بن سعيد الغامدي

أديب سعودي وكاتب رأي وملحق عسكري سابق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.