كُتاب الرأي

جزاء المعتدي… ضربة مدوية . الجزء 2 من 2

جزاء المعتدي… ضربة مدوية .
الجزء 2 من 2 .

رؤية تحليلية استراتيجية .

الخميس الموافق (9) يوليو 2026م .

بقلم .اللواء البحري الركن المتقاعد /  عبدالله بن سعيد الغامدي
الملحق العسكري السعودي السابق لدى جمهورية باكستان الإسلامية .

إن الإجابة عن هذا السؤال هي التي تفصل بين النجاح العملياتي والنجاح الاستراتيجي. فالعمليات العسكرية قد تحقق أهدافها في الميدان، لكن التاريخ لا يمنحها صفة النصر إلا إذا غيرت حسابات الخصم، وأعادت تشكيل قراره الاستراتيجي، وجعلت استمرار العدوان خيارا أعلى كلفة من التراجع عنه.

ومن هذا المنظور، فإن الضربات الأمريكية الأخيرة لا ينبغي أن تقاس بنتائج الساعات الأولى، لأن النجاح العملياتي لا يعني بالضرورة نجاحا استراتيجيا. فالحروب لا تحسم بتدمير الأهداف وحده، وإنما عندما يقتنع الخصم بأن كلفة الاستمرار في النهج نفسه أصبحت أكبر من أي مكسب يمكن تحقيقه.

لقد كشفت المواجهة الأخيرة عن حقيقة جديدة، وهي أن 【تكلفة العدوان】 لم تعد تقتصر على الخسائر العسكرية، بل امتدت إلى المكانة السياسية، والقدرة الاقتصادية، وحرية الحركة، ومستوى الثقة الدولية. وكلما اتسعت دائرة التصعيد، ارتفعت كلفة السياسات التي اعتمدها النظام الإيراني طوال عقود، والقائمة على دعم التنظيمات الارهابية المسلحة العابرة للحدود خلاف العصابات الإجرامية المنظمة ، وتهديد أمن الجوار، واستخدام الممرات البحرية وسيلة للضغط السياسي والعسكري.

وفي المقابل، فإن الرد الإيراني باستهداف قواعد أمريكية في الخليج العربي لا يغير جوهر المعادلة، بل يؤكد أن النظام ما زال يتحرك داخل الإطار الاستراتيجي ذاته الذي قاد إلى هذه المواجهة. فالانتقال من ضربة إلى ضربة مضادة قد يمنح انطباعا بالقدرة على الرد، لكنه لا يجيب عن السؤال الأهم: هل يحقق ذلك مكسبا استراتيجيا، أم يوسع دائرة الاستنزاف، ويضاعف الكلفة السياسية والعسكرية والاقتصادية، ويدفع المنطقة إلى مرحلة أشد اضطرابا؟

إن أخطر ما في هذه الأزمة أنها لم تعد تدور حول حدود النفوذ، بل حول 【قواعد النظام الإقليمي】 ذاته. فحرية الملاحة الدولية، وأمن الممرات البحرية، واستقرار الخليج العربي، لم تعد شأنا يخص دول المنطقة وحدها، بل أصبحت جزءا من أمن الاقتصاد العالمي، وهو ما يفسر اتساع الإرادة الدولية في منع تحويل هذه الممرات إلى أدوات ابتزاز أو مساومة.

وفي هذا المشهد، يبرز النموذج الذي تتبناه المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربي ، والقائم على 【إنتاج الاستقرار】، وتعزيز الأمن الجماعي، وحماية الممرات البحرية، واحترام القانون الدولي، وبناء الشراكات الاقتصادية، بوصفه نموذجا استراتيجيا أكثر قدرة على صناعة النفوذ من أي مشروع يقوم على تصدير الأزمات أو تغذية الصراعات. فالقوة في القرن الحادي والعشرين لا تقاس بما تملكه الدول من وسائل التدمير وحدها، بل بما تملكه من قدرة على حماية التنمية، وترسيخ الثقة، وصناعة المستقبل.

ومع ذلك، فإن الاختبار الحقيقي لا يبدأ مع انتهاء الضربات، بل بعد انتهائها. فالتحدي الذي يواجه الولايات المتحدة ليس إثبات قدرتها على تنفيذ عمليات عسكرية دقيقة كقوة عظمى تتحمل مسئولياتها في إستقرار النظام العالمي ، فقد أثبتت ذلك مرارا، وإنما تحويل هذا التفوق العملياتي إلى 【ردع مستدام】 يمنع تكرار التهديد، ويعيد تشكيل حسابات الخصم، ويحول القوة العسكرية من أداة للرد إلى وسيلة لمنع اندلاع مواجهة جديدة.

لقد أثبت التاريخ العسكري أن أعظم الانتصارات ليست تلك التي تحقق أكبر قدر من التدمير، وإنما تلك التي تمنع اندلاع الحرب التالية. فإذا أدرك النظام الإيراني أن سياسة العدوان، وتهديد الملاحة الدولية، ودعم التنظيمات الارهابية المسلحة العابرة للحدود، لم تعد تحقق له سوى مزيد من العزلة والاستنزاف، فإن الضربة الأخيرة قد تكون بداية مرحلة جديدة من الردع الإقليمي، لا مجرد جولة أخرى في صراع مفتوح.

أما إذا بقيت العقيدة الاستراتيجية على حالها، واستمرت أدوات التصعيد ذاتها، فإن الضربة، مهما كانت مدوية، لن تكون نهاية للأزمة، بل بداية لمرحلة أكثر تعقيدا وخطورة، لأن معالجة النتائج لا تغني عن معالجة الأسباب التي أنتجتها.

ويبقى السؤال الذي سيكتب به المؤرخون خاتمة هذه المرحلة: هل نجحت الولايات المتحدة في الانتقال من سياسة 【الرد على العدوان】 إلى سياسة 【حرمان المعتدي من القدرة】، أم أنها ستجد نفسها، بعد حين، مضطرة إلى خوض الجولة ذاتها من جديد؟

لقد أثبتت الحروب الحديثة أن الدول تستطيع إعادة بناء قواعدها، وتعويض صواريخها، وإصلاح منشآتها خلال سنوات، لكنها قد تحتاج إلى عقود لاستعادة الردع إذا فقدته، أو لاستعادة الثقة إذا اهتزت. ولذلك فإن القيمة الحقيقية لأي ضربة لا تقاس بعدد الأهداف التي دمرت، بل بقدرتها على إعادة تشكيل القرار الاستراتيجي للخصم، وتحويل العدوان من وسيلة لتحقيق المكاسب إلى عبء استراتيجي دائم على صاحبه.

فإن تحقق ذلك، يكون الشرق الأوسط قد دخل مرحلة جديدة من الردع والاستقرار، وأصبحت القوة وسيلة لحماية السلام لا لإدامة الحرب. أما إذا بقيت السياسات ذاتها، والعقيدة ذاتها، وأدوات التصعيد ذاتها، فلن يكون السؤال: من وجه الضربة المدوية؟ بل: من الذي أعاد الجميع، مرة أخرى، إلى 【المربع الأول】؟

وفي النهاية، فإن 【جزاء المعتدي】 لا يقاس بحجم الدمار الذي يتلقاه، بل باللحظة التي يدرك فيها أن العدوان لم يعد طريقا إلى النفوذ، وإنما أصبح أقصر الطرق إلى الاستنزاف، والعزلة، وخسارة المستقبل .

كاتب رأي 

 

 

اللواء عبدالله بن سعيد الغامدي

أديب سعودي وكاتب رأي وملحق عسكري سابق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.