المضائق تسقط… والجغرافيا السعودية تنتصر

المضائق تسقط… والجغرافيا السعودية تنتصر
من “حوار الطرشان” إلى ولادة شرق أوسط جديد
لا يصنع التاريخ أولئك الذين يصفون الأحداث…
بل أولئك الذين يقرؤونها قبل أن تقع.
وعندما نشرت سلسلة مقالاتي السابقة، بدءًا من “الشيطان الإيراني هو التفاصيل”، مرورًا بـ “حوار الطرشان”، ثم “إيران بعد الحرب”، وصولًا إلى المقالات التي تناولت مستقبل المنطقة، لم تكن تلك المقالات تعليقًا على الأخبار، بل كانت محاولة لقراءة الاتجاه الذي تسير إليه الأحداث.
واليوم…
تثبت الوقائع مرة أخرى أن الأزمات لا تبدأ يوم تنطلق الصواريخ، ولا يوم تُستهدف ناقلات النفط، وإنما تبدأ يوم يصبح العالم رهينة لممر واحد، أو قرار واحد، أو لاعب واحد.
ولهذا فإن ما نشهده اليوم ليس أزمة جديدة…
بل النتيجة الطبيعية لتأجيل الحلول الحقيقية لعقود طويلة.
لقد اعتقد العالم أن حماية مضيق هرمز تكفي.
ثم اكتشف أن المضيق يمكن أن يتحول في أي لحظة إلى مصدر قلق عالمي.
ثم التفت إلى باب المندب.
واليوم يدرك الجميع أن المشكلة ليست في هرمز…
وليست في باب المندب…
بل في فلسفة الاعتماد على المضائق نفسها.
وهنا تحديدًا تكمن نقطة التحول الكبرى.
فالتاريخ يعلمنا أن العالم لا يعيد أخطاءه إلى الأبد.
عندما أُغلقت قناة السويس بعد حرب عام 1967، لم يكن الضرر مقتصرًا على المنطقة، بل امتد إلى الاقتصاد العالمي، وأجبر الدول على إعادة التفكير في سلاسل الإمداد وحركة التجارة.
وخلال حرب الناقلات في ثمانينيات القرن الماضي، أدرك العالم أن أمن الطاقة لا يمكن أن يبقى رهينًا للتوترات العسكرية في الخليج.
واليوم، وبعد تكرار الأزمات في هرمز، وتصاعد المخاطر في باب المندب، يبدو أننا أمام الدرس نفسه للمرة الثالثة، ولكن بصورة أشد وضوحًا.
لقد انتهى زمن الاعتقاد بأن حماية المضيق هي الحل.
والمرحلة القادمة ستكون مرحلة بناء البدائل.
ولهذا لم أكن أرى في مقالي “حوار الطرشان” مجرد توصيف للخلاف الأمريكي الإيراني، بل كنت أراه وصفًا لحالة إقليمية كاملة.
الجميع يتحدث…
ولا أحد يغير قواعد اللعبة.
الجميع يفاوض…
ولا أحد يعالج أصل المشكلة.
الجميع يحتفل بالهدنة…
ثم تعود الأزمة بصورة أعنف.
إنه بالفعل…
حوار طرشان.
أما الحقيقة التي تتكشف اليوم فهي أن العالم بدأ يبحث عن لغة أخرى…
لغة الجغرافيا الجديدة.
لغة البنية التحتية.
لغة البدائل.
لغة توزيع المخاطر.
ومن هنا تكتسب الأفكار التي تدعو إلى الانتقال من حماية المضائق إلى بناء البدائل أهمية استثنائية، لأنها لا تتعامل مع نتائج الأزمة، بل مع جذورها.
فالاقتصادات الكبرى لا تبني مستقبلها على حسن النوايا.
ولا على البيانات السياسية.
ولا على الهدن المؤقتة.
بل تبنيه على تعدد الخيارات، وتكرار المسارات، ومنع أي نقطة اختناق من امتلاك القدرة على ابتزاز الاقتصاد العالمي.
وهنا تتجلى الرؤية السعودية.
لقد قرأ كثيرون رؤية المملكة 2030 باعتبارها مشروعًا اقتصاديًا فقط.
لكن الأيام تثبت أنها كانت مشروعًا لإعادة صياغة موقع المملكة في الجغرافيا الاقتصادية العالمية، وتحويلها إلى مركز يربط بين القارات، ويعيد تشكيل حركة التجارة والطاقة والخدمات اللوجستية.
إنها رؤية لا تنتظر الأزمات…
بل تستعد لما بعدها.
ولا تبني مستقبلها على ردود الأفعال…
بل على صناعة البدائل.
ومن هنا يصبح السؤال أكثر وضوحًا:
إذا كان العالم يبحث عن طرق تتجاوز هرمز…
ويبحث عن حلول تقلل الاعتماد على باب المندب…
فأين ستكون البوابة الطبيعية لهذه المرحلة الجديدة؟
الإجابة، في تقديري، تبدأ من بحر العرب.
وهنا تبرز حضرموت.
ليس لأنها مجرد أرض واسعة أو ساحل طويل، بل لأنها تمثل امتدادًا طبيعيًا لشبه الجزيرة العربية على بحر العرب، وتمتلك موقعًا جغرافيًا يجعلها ذات أهمية استراتيجية في أي رؤية مستقبلية لتنويع مسارات الطاقة والتجارة، إذا توافرت لها البيئة المستقرة، والتخطيط السليم، والاستثمار طويل المدى.
ولهذا فإن الحديث عن حضرموت لم يعد ترفًا سياسيًا.
بل أصبح جزءًا من النقاش حول مستقبل أمن الطاقة العالمي.
إن العالم يعيد رسم خرائطه.
ويعيد توزيع استثماراته.
ويعيد هندسة طرق التجارة.
ومن يغيب عن هذه اللحظة التاريخية، فلن يجد لنفسه مكانًا عندما تكتمل الخريطة الجديدة.
لقد أثبتت الأحداث أن المقالات التي كتبتها لم تكن تنبؤًا بالغيب، وإنما قراءة في اتجاهات السياسة والاقتصاد والجغرافيا.
فالوقائع لا تصنع الرؤية…
بل الرؤية هي التي تجعلنا نفهم الوقائع قبل اكتمالها.
ولذلك فإنني أؤمن أن المنطقة تقف اليوم أمام لحظة تاريخية فارقة.
لحظة تنتقل فيها من عصر حماية المضائق…
إلى عصر صناعة البدائل.
ومن مرحلة إدارة الأزمات…
إلى مرحلة إعادة تصميم الجغرافيا نفسها.
ومن ينجح في بناء البديل…
هو الذي سيقود المستقبل.
أما من يظل يحرس الاختناق…
فسيبقى أسيرًا له مهما امتلك من القوة.
بقلم: مهندس صالح بن سعيد المرزم
9 يوليو 2026
