كُتاب الرأي

*كيف يفكر النظام الإيراني؟ .*

*كيف يفكر النظام الإيراني؟ .*

*رؤية تحليلية استراتيجية .*

بقلم اللواء البحري الركن المتقاعد / عبدالله بن سعيد الغامدي .
الملحق العسكري السعودي السابق لدى جمهورية باكستان الإسلامية .

*قد يكون أكبر خطأ ارتكبه كثير من المحللين في قراءة إيران هو انشغالهم بما تملكه من صواريخ، ومنشآت نووية، وشبكات نفوذ، أكثر من انشغالهم بالعقل الذي يقرر متى يستخدم هذه الأدوات ومتى يمتنع عن استخدامها. فالأسلحة لا تصنع السياسة، وإنما تنفذها، أما السياسة فتولد داخل منظومة فكرية تشكلت عبر عقود، وربما عبر قرون، حتى أصبحت المرجعية الحاكمة لصناعة القرار.*

*ولعل الخطأ الثاني كان الخلط بين إيران الدولة، صاحبة الحضارة الممتدة عبر آلاف السنين، والنظام الإيراني الذي تولى السلطة بعد ثورة عام 1979. فالدول تبقى، بينما تتغير الأنظمة، والشعوب لا تختزل في حكوماتها. أما السياسات التي دفعت المنطقة إلى أزمات متلاحقة، ورسخت منطق الصراع، ودعمت التنظيمات الارهابية المسلحة العابرة للحدود، وشبكات الوكلاء غير النظامية، وسعت إلى توظيف أدوات الضغط الإقليمي لتحقيق أهداف سياسية، فهي خيارات ارتبطت بعقيدة النظام، وليست امتدادا حتميا لتاريخ إيران أو ثقافة شعبها.*

*وعند تتبع السلوك السياسي والعسكري للنظام الإيراني خلال العقود السبعة والأربعين الماضية، تبرز ملاحظة تكاد تفسر معظم قراراته؛ إذ يبدو أن القرار لا يبدأ بالسؤال: كيف ننتصر؟ بل يبدأ بسؤال آخر أكثر حساسية: كيف يبقى النظام؟.*

*هذا السؤال، في تقديري، هو مفتاح فهم السياسة الإيرانية المعاصرة.*

ومن هنا، فإن قراءة القرار الإيراني لا تبدأ بما يعلنه المسؤولون، وإنما بما يخشاه صانع القرار. فالأنظمة تكشف أولوياتها الحقيقية ليس في خطاباتها، بل في الخطوط الحمراء التي لا تسمح بالاقتراب منها. وفي الحالة الإيرانية، ظل بقاء النظام، طوال ما يقارب نصف قرن، هو الخط الأحمر الذي أعاد ترتيب جميع الأولويات السياسية والعسكرية والاقتصادية، وجعل بقية الملفات أدوات لخدمته لا غايات مستقلة بذاتها.

فإذا كان أي خيار يعزز فرص بقاء النظام، يصبح قابلا للدراسة، حتى لو ترتبت عليه عقوبات اقتصادية، أو عزلة سياسية، أو تراجع في مؤشرات التنمية. أما إذا كان أي خيار يحمل احتمالا يهدد استمرارية النظام، فإن كلفته تصبح أعلى من أي مكسب عسكري أو سياسي يمكن أن يحققه.

ومن هنا، يمكن فهم البرنامج النووي، والقدرات الصاروخية، وشبكات النفوذ الإقليمية، وأهمية مضيق هرمز، بوصفها عناصر في منظومة ردع متكاملة، هدفها الأساسي رفع كلفة أي محاولة تستهدف تغيير النظام بالقوة أو فرض إرادة خارجية عليه. ولهذا، لا يبدو متناقضا أن تفاوض طهران في مسار، بينما تشدد في مسار آخر، أو أن تفتح نافذة للحوار في الوقت الذي تتمسك فيه بأوراق ضغطها. ففي عقيدتها، لا يمثل التفاوض نقيضا للردع، بل أداة من أدواته.

ولم تنشأ هذه العقيدة من فراغ. فقد ورث النظام جانبا من الإرث السياسي الإيراني القائم على الصبر الاستراتيجي، واستثمار الجغرافيا، وإطالة أمد الصراع عند اختلال موازين القوة، ثم أضافت الثورة الإسلامية إليه بعدا عقائديا، قبل أن تأتي الحرب العراقية الإيرانية لتجعل البقاء معيار النجاح الأول. ومنذ ذلك الحين، أصبح الزمن جزءا من القوة، وأصبحت إدارة الصراع أحيانا أكثر أهمية من حسمه.

ومن يتأمل السلوك الإيراني خلال العقود الماضية يلاحظ أن النظام لا يتعامل مع الدبلوماسية، أو الردع العسكري، أو العمل الاستخباراتي، أو الحرب الإعلامية، أو العمليات غير المباشرة، بوصفها مسارات مستقلة، وإنما أدوات تعمل داخل استراتيجية واحدة. ولذلك، فإن فهم القرار الإيراني لا يتحقق بقراءة تصريح سياسي أو متابعة تحرك عسكري منفرد، بل بفهم الطريقة التي يربط بها النظام بين جميع هذه الأدوات لتحقيق هدفه الأعلى.

ويبدو أن صانع القرار الإيراني أو ما يعرف بصاحب الصلاحية؛ ينطلق من قناعة مفادها أن الخصم لا يجب أن يشعر بالاطمئنان الكامل، ولا أن يصل إلى قناعة بأن خياراته منخفضة الكلفة. ومن هنا، يسعى النظام إلى المحافظة على هامش دائم من الغموض الاستراتيجي، بحيث تبقى حسابات خصومه مفتوحة على احتمالات متعددة، وهو أسلوب عرفته مدارس التفكير الاستراتيجي في مراحل مختلفة من التاريخ، ويهدف إلى تعظيم الردع بأقل قدر ممكن من المواجهة المباشرة.

ولعل من مفارقات التاريخ أن بلاد فارس عرفت، قبل قرون، جماعة الحشاشين بقيادة المدعو / حسن الصباح، التي إرتبط إسمها في المصادر التاريخية باستخدام الإغتيال السياسي وسيلة للتأثير في الخصوم عندما لم تكن موازين القوة تسمح بالمواجهة التقليدية. وليس المقصود من إستحضار هذه الصفحة التاريخية إقامة صلة مباشرة مع دولة أو نظام معاصر، فالتاريخ لا يختزل بهذه البساطة، وإنما التذكير بأن الصراع السياسي عرف، عبر القرون، صورا متعددة من توظيف الأدوات الإرهابية غير التقليدية عندما تعجز القوة العسكرية وحدها عن تحقيق الأهداف. وربما تكمن سخرية التاريخ في أن أسماء إرهابية قديمة تغادر صفحات الكتب كلما هدأت المنطقة، ثم تعود إليها كلما اشتدت الأزمات، وكأن التاريخ يذكر الجميع بأن الأفكار قد تتبدل، لكن الجدل حول وسائل الصراع لا يغيب.

غير أن التاريخ العسكري يعلمنا أيضا أن إدارة الأزمات ليست بديلا عن بناء السلام، وأن القدرة على الردع لا تعني بالضرورة القدرة على إنتاج التنمية. فقد سعى النظام الإيراني في بناء منظومة معقدة لإدارة الصراعات وامتلاك أوراق ضغط متعددة، لكنه لم يحقق النجاح نفسه في تحويل ذلك إلى مشروع إقتصادي وتنموي ينعكس بصورة ملموسة على حياة المواطن الإيراني، كما أن سياساته الإقليمية دفعت كثيرا من دول مجلس التعاون لدول الخليج العربي إلى تعزيز قدراتها الدفاعية، وتوسيع شراكاتها الاستراتيجية، وتسريع بناء منظومات أمنية أكثر تطورا.

وهنا تكمن المعضلة الكبرى؛ فالعقل الذي نجح في حماية النظام طوال عقود، قد لا يكون بالضرورة هو العقل القادر على قيادة مرحلة جديدة تتغير فيها معايير القوة. فالعالم لم يعد يقيس النفوذ بعدد الصواريخ وحدها، ولا بحجم شبكات النفوذ، وإنما بقدرة الدولة على إنتاج الاستقرار، وجذب الاستثمار، وبناء الاقتصاد، وصناعة الثقة، واحترام قواعد النظام الدولي.

ويبقى السؤال الذي سيحدد مستقبل الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة: هل يستطيع النظام الإيراني أن يواصل حماية بقائه بالعقيدة نفسها التي تشكلت بعد عام 1979، أم أن التحولات الإقليمية والدولية أصبحت تفرض مراجعة عميقة لطريقة التفكير قبل مراجعة أدوات القوة؟

*فالأنظمة قد تنجح في إطالة أمد الصراع، وقد تؤخر لحظة المواجهة، لكن التاريخ يثبت أن النفوذ الذي لا يتحول إلى استقرار، والقوة التي لا تتحول إلى تنمية، والردع الذي لا يفتح بابا لسلام مستدام، تبقى جميعها إنجازات ناقصة. فطريقة التفكير هي أول ما يصنع القرار… وآخر ما يتغير عندما تتغير موازين القوة.*

كاتب رأي 

 

 

اللواء عبدالله بن سعيد الغامدي

أديب سعودي وكاتب رأي وملحق عسكري سابق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.