أقفُ على ضفافِ نفسي، وأتأملُ الحياة

أقفُ على ضفافِ نفسي، وأتأملُ الحياة
أحيانًا أنطوي على ذاتي، لا هربًا من العالم، بل محاولةً لفهمه. أتأملُ كلَّ شيءٍ حولي؛ الصحةَ والمرض، السعادةَ والتعاسة، الناسَ ونفسي؛ أنا الأمسِ وأنا اليوم. وفي نهايةِ كلِّ تأمل، أجدني أدورُ حولَ روحي، محمّلةً بعلاماتِ استفهامٍ لا تنتهي.
أحاولُ أن أفتحَ قاموسَ الحياة، وأن أفهمَ فلسفتَها، وأن أجدَ تفسيرًا لذلك التناقضِ العجيب؛ كيف يأتينا الفرحُ في الوقتِ الذي نظنُّ فيه أننا لن نفرح، وكيف يثقلُ الحزنُ قلبًا كان بالأمسِ ممتلئًا بالحياة؟ ولماذا يتغيرُ الإنسان، وتتبدلُ الأشياءُ من حوله، حتى يبدوَ أحيانًا غريبًا عن نفسه؟ كلما ظننتُ أنني اقتربتُ من إجابة، بزغت أمامي علامةُ استفهامٍ جديدة.
ربما ليست المشكلةُ أننا عجزنا عن فهمِ الحياة، بل أن الحياةَ أكبرُ من أن تُفهمَ كاملة. وربما نحن أيضًا سؤالٌ طويل، نمضي في العمرِ ونحن نحاولُ أن نجدَ له إجابة.
مراتٍ أجدُ نفسي أمسكُ القلم، فينسابُ قلمي بين السطور، كسمكةٍ تبحرُ في عمقِ البحر؛ يغوصُ في المعنى، ويعودُ إلى السطحِ محمّلًا بشيءٍ من روحي. ومراتٍ أخرى أجدهُ جامدًا، كسمكةٍ طفت على سطحِ الماء، ثم قذفها الموجُ إلى رمالِ الشاطئ، ففقدت قدرتها على الإبحار.
حينها لا أعلم: هل الصمتُ الذي يسبقُ الكتابةُ عجزٌ عن البوح، أم امتلاءٌ يفوقُ قدرةَ الكلمات؟
الحياةُ لوحةٌ فنيةٌ هادئةٌ وراقية، تنسابُ ألوانُها بسلاسةٍ ما دمنا في موقعِ المتأمل. لكننا، متى اندفعنا إلى التدخلِ في تفاصيلها، وطئنا أرضَ التيه؛ فنضيعُ، ونغدو كأشلاءَ مبعثرة، نبحثُ عن أرواحنا في زاوية، وعن أجسادنا في أخرى، وعن أنفسنا في زاويةٍ ثالثة.
وعندما نقتربُ أكثرَ مما ينبغي؛ من الأشياءِ أو من البشر، نفقدُ الرؤيةَ الكلية، ولا نعودُ نرى سوى التفاصيلِ العارية، فتصدُمنا حقيقتُها المجردة، وربما خيبتُها أيضًا.
لعلَّ الحكمةَ ليست دائمًا في الاقتراب، ولا في محاولةِ امتلاكِ كلِّ ما نحب، بل في أن نعرفَ متى نقترب، ومتى نكتفي بالنظر من بعيد.
ربما كانت الحكمةُ كلُّها تكمنُ في البقاءِ على مسافةٍ آمنة؛ مسافةٍ تمنحُنا متعةَ التأمل، وتنقذُ الجمالَ من عناءِ التشريح، وتحمي أرواحَنا من خيبةِ الاقتراب.
فبعضُ الأشياءِ تظلُّ أجملَ ما دامت تُرى من بعيد، وبعضُ المعاني لا تُكتشفُ بالاقتراب، بل بالتأمل.
بقلم : الجوهرة