عندما يكسر الضِّلع أباه

عندما يكسر الضِّلع أباه
“ذخيرتي نفدت.”
هكذا قالها لي عندما وجدته على مشارف إحدى القرى.
رجلٌ في عقده السادس، لا يبدو عليه تعب الجسد بقدر ما يبدو عليه إنهاك الروح. كان صامتًا، وكأنه قطع صلته بالحكايات مع الآخرين؛ تلك الصلة التي كانت يومًا تربطه بالحياة.
لم يكن مريضًا ولا عاجزًا، ولكن ذخيرته، كما سماها، كانت قد أوصلته إلى لحظةٍ لم يعد فيها قادرًا إلا على البوح.
ناديتُه، ولم أعرف: أأقول شيخًا أنهكه العمر، أم رجلًا حملته الخيبات إلى منفى داخلي لا يراه أحد؟
التفت إليّ، وعيناه تحملان يأسًا لا يُفسَّر، وقال بصوتٍ مبحوح:
— ما الذي يدور في ذهنك أيها السالك؟
قلت:
— لا شيء يستحق.
قال:
— أتريد أن تسأل عن شيء؟
قلت:
— نعم.
قال:
— تفضل.
قلت وأنا أتأمل ملامحه:
— يبدو عليك التعب… أراك كأسدٍ بلا عرين، وسيفٍ بلا غمد. ما بك أيها الشيخ الغريب؟
قال:
— ابني…
ثم صمت، كأن هذه الكلمة وحدها كانت تحمل عمرًا كاملًا من الحكايات.
وأضاف:
— الحياة كالبحر؛ نظن أننا نعبره، ثم نكتشف أننا نغرق فيه. نركض خلف النجاة، وقد نكون نحن من أضاع الطريق.
كنت أستمع إليه، وعقلي يحاول أن يفهم ما وراء كلماته.
ما الذي يعنيه بالبحر؟ وما الذي يقصده بالذخيرة؟
هل يتحدث عن حربٍ لا تُرى؟
رأيت في عينيه هدوء الأودية البعيدة، ووحشة العزلة، وكأنه يعيش هدنةً طويلة مع نفسه.
قال:
— أراك في حيرة، ولن أصعّب الأمر عليك.
في يومٍ مضى، كنت أملك مالًا كثيرًا؛ أتعب وأشقى، وأؤجل صلاتي وخلواتي مع بارئي وراحتي، وأركض خلف سرابٍ ظننته أمانًا، فإذا به شيءٌ لا يبقى.
وفي يومٍ من الأيام، سمعت أحد أبنائي يقول لإخوته:
— كم تكون حصة كل واحدٍ منا؟
سقطت كلماته عليّ كسيفٍ لا يرحم.
انتظرت أن يُسكت أحدهم أخاه، لكنني سمعت آخر يقول:
— ستنتظر كثيرًا… فقد ظنناه من الذين يطول بهم المقام حتى ينسى الزمن موعد الرحيل.
في تلك اللحظة أدركت أنني متُّ قبل أن أموت؛ بلا كفن، ولا احتضار، ولا وداع.
كان عزائي الوحيد لتلك الذخيرة التي فشلت قبل المواجهة.
كنت أظن أن المال ذخيرتي، وأن ما جمعته لهم سيكون حصني الأخير، وأن الحب الذي أغرقتهم به سيعود إليّ حين أحتاجه.
لكنني اكتشفت أن بعض الذخائر تُجمع للفناء، ولا تنفع صاحبها عند لحظة الاختبار.
أما الذخيرة الحقيقية…
فهي ركعةٌ خفيّةٌ بين يدي مُدبّر الأمر جلّ جلاله، وصحةٌ حُفظت، وصدقةٌ بقي أثرها.
أما ما سواها، فليس إلا قوتَ دنيا نضعه في مواجهة عدوٍّ لا يُهزم؛ عدوّ الفناء.
وهكذا…
لم يبقَ لي إلا ما ادخرته للخالق سبحانه وتعالى.
بقلم: الجوهرة