زاوية ثقافة الطفل

أزمات الأطفال

أزمات الأطفال

أزمة الانفصال عن الأم في مرحلة الطفولة ورياض الأطفال

بقلم /جوهرة ال صالح

الطفل كائن حي صغير، يبدأ حياته في حاجة دائمة إلى الرعاية والحماية والاحتواء، وينمو جسديًا وعقليًا وانفعاليًا في ظل علاقته بمن حوله، وفي مقدمتهم الأم التي تمثل بالنسبة إليه مصدر الأمان والطمأنينة والاستقرار. ومع مراحل نموه المختلفة، يواجه الطفل العديد من التغيرات والمواقف التي قد تشكل بالنسبة إليه تحديات نفسية وانفعالية، وقد تتحول بعض هذه المواقف إلى أزمات مؤقتة تحتاج إلى فهم واحتواء وتوجيه

ومن أهم الأزمات التي يمر بها الطفل في سنواته الأولى أزمة الانفصال عن الأم، وهي أزمة تظهر بصورة واضحة عندما يبدأ الطفل مرحلة جديدة من حياته، مثل الالتحاق برياض الأطفال. فبعد أن اعتاد الطفل وجود أمه إلى جواره، يجد نفسه فجأة في بيئة جديدة، وبين أشخاص جدد، بعيدًا عن البيت والأم والأسرة التي اعتاد أن يشعر في كنفها بالأمان

الانفصال الأول… خطوة كبيرة في حياة الطفل

قد يبدو ذهاب الطفل إلى رياض الأطفال أمرًا بسيطًا بالنسبة للكبار، لكنه بالنسبة إلى الطفل يمثل تجربة جديدة ومختلفة. فهو لا يرى المكان الجديد بالطريقة التي يراه بها الكبار، وإنما قد يشعر بأنه انتقل من عالم مألوف يعرف تفاصيله إلى عالم جديد لا يعرف ما ينتظره فيه

ولهذا قد تظهر على الطفل عند بداية التحاقه برياض الأطفال بعض مظاهر القلق أو الخوف، مثل البكاء عند مغادرة الأم، أو التمسك بها ورفض الابتعاد عنها، أو التردد في الدخول إلى الروضة، وقد يطلب العودة إلى المنزل أو يكرر السؤال عن موعد عودة أمه

وهذه السلوكيات لا تعني بالضرورة أن الطفل ضعيف أو غير قادر على التكيف، وإنما قد تكون استجابة طبيعية لتغير مفاجئ في بيئته وعلاقاته اليومية. فالطفل يحتاج إلى الوقت حتى يتعرف إلى المكان الجديد، ويكوّن علاقة آمنة مع معلمته، ويتعرف إلى زملائه، ويكتشف أن ابتعاد الأم عنه لا يعني فقدانها أو اختفاءها

لماذا تكون أزمة الانفصال صعبة على الطفل؟

ترتبط السنوات الأولى من حياة الطفل ارتباطًا وثيقًا بتكوين شعوره بالأمان. والأم بالنسبة إلى الطفل ليست مجرد شخص يعتني به، بل هي جزء أساسي من عالمه اليومي؛ يعرف صوتها، ووجودها، وطريقتها في التعامل معه، ويجد عندها الحماية والاحتواء

وعندما يبدأ الطفل مرحلة رياض الأطفال، يحدث تغير في هذا الروتين؛ فيغادر المنزل في وقت محدد، ويقضي ساعات في بيئة مختلفة، ويتعامل مع معلمة وزملاء جدد، ويتعلم الاعتماد على نفسه في بعض المواقف

ومن هنا تظهر أهمية أن يكون الانتقال تدريجيًا ومطمئنًا، وألا يُنظر إلى مشاعر الطفل على أنها مشكلة يجب التخلص منها بسرعة، بل باعتبارها رسالة تحتاج إلى فهم واستجابة تربوية مناسبة

دور الأسرة في تخفيف أزمة الانفصال

تبدأ مساعدة الطفل قبل اليوم الأول في الروضة؛ فطريقة تقديم المرحلة الجديدة له تؤثر كثيرًا في مشاعره تجاهها

يمكن للأسرة أن تتحدث مع الطفل عن الروضة بطريقة إيجابية وبسيطة، وأن تشرح له ما سيحدث، ومن سيقابله، ومتى ستعود الأم أو الأب لاصطحابه. كما يمكن اصطحابه للتعرف إلى المكان قبل بدء الدراسة إن أمكن، حتى يصبح المكان مألوفًا بالنسبة إليه

ومن المهم أيضًا تجنب التخويف أو استخدام الروضة كوسيلة للعقاب، وعدم إظهار القلق الشديد أمام الطفل؛ لأن الطفل يلتقط مشاعر الكبار بسرعة، وقد يفسر خوفهم على أنه دليل على أن المكان الجديد غير آمن.

والأهم من ذلك أن تكون لحظة الوداع هادئة وواضحة وقصيرة؛ فالوداع الطويل والمتكرر قد يزيد من قلق الطفل ويجعله أكثر تعلقًا بالأم

دور معلمة رياض الأطفال

تؤدي معلمة الروضة دورًا أساسيًا في مساعدة الطفل على تجاوز أزمة الانفصال؛ فهي أول شخصية تربوية يلتقي بها الطفل بعيدًا عن أسرته، ولذلك فإن علاقتها به يمكن أن تكون جسرًا ينتقل من خلاله الطفل من أمان البيت إلى أمان البيئة التعليمية

وتحتاج المعلمة إلى استقبال الطفل بابتسامة وهدوء، ومنحه الوقت الكافي للتكيف، وعدم إجباره على المشاركة في الأنشطة منذ اللحظة الأولى. كما يمكنها أن تشجعه على اكتشاف المكان تدريجيًا، والتعرف إلى الأطفال الآخرين، والمشاركة في نشاط يحبه

إن بناء علاقة آمنة بين الطفل ومعلمته لا يحدث في يوم واحد، وإنما يتشكل من خلال التكرار والثبات والاهتمام والاستجابة لمشاعر الطفل

لا تجعلوا البكاء مشكلة

من الأخطاء الشائعة أن ينظر الكبار إلى بكاء الطفل عند الانفصال باعتباره سلوكًا سلبيًا يجب إيقافه فورًا. فالبكاء قد يكون وسيلة الطفل للتعبير عن الخوف أو الحزن أو عدم الاعتياد على الموقف الجديد

لذلك يحتاج الطفل إلى من يفهم مشاعره، لا من يسخر منها أو يقلل من شأنها. ويمكن للبالغ أن يقول له كلمات بسيطة ومطمئنة مثل: “أعرف أنك تشتاق إلى أمك، وستعود إليك بعد انتهاء وقت الروضة”

فحين يشعر الطفل أن مشاعره مقبولة ومفهومة، يصبح أكثر قدرة على التعامل معها

من الانفصال إلى الاستقلال

لا ينبغي أن يكون الهدف من مرحلة رياض الأطفال هو فصل الطفل عن أمه فقط، وإنما مساعدته على الانتقال التدريجي من الاعتماد الكامل إلى الاستقلال الآمن

فالطفل الذي يتعلم أن أمه يمكن أن تبتعد عنه ثم تعود، وأنه يستطيع قضاء وقت ممتع وآمن بعيدًا عنها، يبدأ في بناء قدرته على الاستقلال والثقة بالنفس. وهذه الخبرة البسيطة تمثل خطوة مهمة في نموه النفسي والاجتماعي

إن الاستقلال لا يعني أن الطفل لم يعد بحاجة إلى أمه، وإنما يعني أنه بدأ يكتشف أنه قادر على التعامل مع بيئات جديدة مع احتفاظه بشعوره بالأمان والانتماء

الأسرة والروضة… شراكة من أجل طفل أكثر أمانًا

تجاوز أزمة الانفصال لا يعتمد على الأسرة وحدها ولا على الروضة وحدها، وإنما يحتاج إلى شراكة حقيقية بين الطرفين. فعندما تتفق الأسرة والمعلمة على أسلوب التعامل مع الطفل، وتنتقل إليه الرسائل نفسها من الطرفين، يشعر بمزيد من الاستقرار والوضوح

كما أن متابعة الطفل خلال الأسابيع الأولى تساعد على معرفة مدى تكيفه مع المرحلة الجديدة. وإذا استمر القلق بصورة شديدة أو ظهرت تغيرات ملحوظة ومستمرة في سلوك الطفل، فمن المهم أن تتعاون الأسرة مع المختصين التربويين والنفسيين لتحديد احتياجاته وتقديم الدعم المناسب

وأخيرًا

إن أزمات الطفولة ليست دائمًا علامات على وجود مشكلة، بل قد تكون جزءًا من رحلة النمو والتغير التي يمر بها الطفل. وأزمة الانفصال عن الأم عند دخول رياض الأطفال واحدة من التجارب التي يمكن أن تساعد الطفل، إذا أُديرت بطريقة صحيحة، على بناء الثقة بالنفس واكتساب الاستقلال والقدرة على التكيف مع البيئات الجديدة

فالطفل لا يحتاج في هذه المرحلة إلى أن نقول له: “لا تخف” بقدر حاجته إلى أن يشعر بأن هناك من يفهم خوفه ويمنحه الأمان حتى يستطيع تجاوزه

ومن هنا تأتي مسؤوليتنا التربوية: أن نرافق الطفل في أزماته، لا أن نخاف منها، وأن نحتضن مشاعره، لا أن ننكرها، وأن نمنحه الوقت والدعم حتى يتحول كل موقف صعب في حياته إلى خبرة

     كاتبة ومؤلفة

جوهرة حمزة آل صالح

كاتبة ومؤلفة ومشرفة ثقافة الطفل والقصص المتحركة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.