✍️ حين تسبق الكلمة حقيقتها

✍️ حين تسبق الكلمة حقيقتها
يصبح السمع مسؤولية
بقلم: د. عبدالإله محمد جدع
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾.
تضع هذه الآية أصلًا رفيعًا في أخلاق التلقي والحكم، إذ تجعل بين الخبر والموقف مساحة للتثبت، حمايةً للحقيقة من التحريف، وصيانةً للناس من أن تصنع صورهم في الأذهان رواية ناقصة أو كلمة عابرة. فالخبر حين ينتقل بين الألسنة لا يبقى دائمًا على حاله، إذ يختلط بالفهم والهوى والانطباع، حتى يبلغ السامع في صورة قد تبتعد كثيرًا عن أصلها.
ومن هنا تبدأ خطورة نقل الكلام؛ لأن الكلمة لا تحمل معناها فقط، وإنما تحمل أثرها أيضًا، وقد يكون أثرها جفاءً في علاقة، أو شكًّا في قلب، أو تشويهًا لإنسان غاب صوته وحضر عنه كلام غيره. وما أكثر ما تبدأ الخصومة من عبارة صغيرة، ثم تتسع مع النقل والتأويل، حتى تصبح في النفوس حقيقة يصعب الرجوع عنها.
لذلك لم يكن التبين مجرد احتياط في معرفة الوقائع، وإنما هو خُلُق من أخلاق العدل؛ لأنه يمنع النفس من أن تستسلم لأول رواية، ويمنع اللسان من أن يصبح طريقًا لعبور الظنون والوشايات. ومن اعتاد أن يفحص ما يسمع، حفظ قلبه من الضغائن، وحفظ غيره من ظلمٍ قد لا يستطيع إصلاحه بعد وقوعه.
فالكلمة لا تنتهي حين تُقال، وقد تبقى في النفس أطول من الموقف الذي أنشأها، ولهذا كان من الحكمة أن نسأل قبل أن ننقل عن صحة الخبر وغايته وأثره، وأن نتذكر أن كرامة الناس لا تسقط في غيابهم، وأن العدل يبدأ أحيانًا من كلمة امتنعت عن قولها؛ لأنك لم تطمئن إلى حقيقتها.
