في ظلال المسرح

“تجربة طفلة مع الركح المسرحي”

“تجربة طفلة مع الركح المسرحي”

بقلم الإعلامية نوف علي الزامل

إنطفاء الأنوار، إسدال الستارة، تصفيق الجمهور؛ تلك أولى ملامح المسرح التي طبعت في ذاكرة طفلة كان والدها يصطحبها إلى العروض المسرحية بين مدينتي الرياض والكويت. لم أكن أعي مالذي يجعل الناس يضحكون تارة بشكل هستيري، ويحزنون تارة أخرى حتى يخيم الصمت على القاعة، لكنني كنت أشعر أنني في عالم تحكمه قوانين صارمة من أمام ذلك الرقح، منظر مهيب، كالفضاء إلى مالا نهاية، عالما قائما بذاته، بلغته، بوقاره، متفردا بطقوسه، بفنونه التي لا تشبه أي فن آخر، كانت تتأمله من مقعد المتفرجين، إلى أولئك الممثلين، وهم منسجمين، متناغمين، مدهشين!.

من هناك بدأت أتعرف على عالم يدعى “المسرح”.

كان والدي يفتح لي نافذة جديدة أطل منها على العالم في كل مرة يصطحبني فيها إلى المسرح. ذلك المكان، كانت له نفحته الخاصة، بمقاعده المخملية الحمراء، وصوت الستارة وهي تنسدل بخفة، تفاصيل لا تزال تسكن ذاكرتي وأنا انتظر إنطفاء الأضواء، في موعد مع عالم لا يعرفه إلا من اعتاد على ارتياده.

واليوم، وبعد سنوات، كبرت تلك الطفلة ووجدت نفسها تعود إلى ذلك العالم، ولكن هذه المرة كمشاركة. عشرون يوما قضيتها في “ورشة بناء العرض المسرحي” التي نظمتها هيئة المسرح والفنون الأدائية. وفي أول لقاء مع المشاركين ومن على الرقح وجه إلى سؤال خاطف:

هل سجلت في الورشة لتنتقدي المسرح، كونك صحفية؟

ابتسمت، لأنني أدركت أن الصورة الذهنية عن الصحفي كثيرا ما تختزله في دور الناقد فقط.أجبت: لا، أنا هنا اليوم لأعيش داخل هذا العالم، وأتعرف عليه عن كثب من خلف الكواليس.

خلال العشرين يوما، أردت أن أرافق المتدربين في رحلتهم منذ البداية، من لحظة توزيع الأدوار، وقراءة النص، وتطوير الشخصيات، والبحث عن دوافعها، إلى البروفات الطويلة التي كان يتخللها الكثير من البكاء والغضب والضحك والفرح، وكل المشاعر التي قد يعيشها أي ممثل يؤدي دور شخصية مسرحية بتفاصيلها، كنت أشهد شغفهم، عوضا عن المحاولات المتكررة لخلق مشاهد حقيقية تلامس مشاعرهم. تعرفت على المتدربين عن قرب، كنت أسألهم عن سبب مشاركتهم، شاركوني أحلامهم و طموحاتهم، ومخاوفهم، وحكاياتهم التي جاءت بهم إلى المسرح.

وأنا أراقبهم تذكرت الطفلة التي كانت تجلس يوما في مقاعد الجمهور، ولكن هذه المرة ليس كمتفرجة، بل كمشاركة في ولادة العرض.

أدركت أنني لم أعد أرى أمامي مجرد متدربين يتعلمون أدوات المسرح، بل مواهب تحمل حكايات سعودية تنتظر أن تجد طريقها إلى الرقح. حينها أيقنت أن المسرح السعودي يحمل كنزا ينتظر من يكتشفه ويؤمن به. فكل كاتب، وممثل، ومخرج، لا يصنع عرضا مسرحيا فحسب، بل يسهم في حفظ جزء من ذاكرتنا الثقافية. واليوم، تبدو هذه المواهب الشابة أكثر من مجرد أسماء جديدة في المشهد المسرحي؛ إنهم الجيل الذي سيكتب ملامح المسرح السعودي في المستقبل. وكل فرصة تمنح لهم، ما هي إلا استثمارا في الحكاية السعودية.

بقلم الإعلامية نوف علي الزامل

 

 

نوف الزامل

إعلامية وكاتبة رأي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WhatsApp
×
مرحبًا أنا سكرتير رئيس التحرير وأنا هنا لمساعدتك.