كُتاب الرأي

كيف نصنع شيخوختنا

كيف نصنع شيخوختنا

الشيخوخة ليست مجرد رقم يُكتب في نهاية كل سنة من العمر، وليست مرحلة تبدأ فجأة عند سن معيّن، بل هي عملية تتشكل ببطء داخل الإنسان قبل أن تظهر على جسده.
في الحقيقة، كثير من الناس لا يشيخون لأنهم كبروا في السن، بل لأنهم بدأوا يتوقفون عن الحياة من الداخل.

أخطر ما يسرّع الشيخوخة ليس مرور الوقت، بل لحظة الاستسلام الداخلي؛ حين يفقد الإنسان شغفه، ويتوقف عن التعلم، ويشعر أن لا جديد يستحق المحاولة، عندها يبدأ الانفصال التدريجي عن الحياة، حتى لو كان الجسد ما يزال في سن الشباب.

هذا الانفصال لا يحدث بشكل مفاجئ، بل يتسلل بهدوء، يبدأ بتراجع الاهتمام بالأشياء الصغيرة، ثم يتحول إلى فقدان الفضول، ثم إلى شعور بأن كل شيء أصبح متشابهاً ومكرراً، ومع الوقت، يدخل الإنسان في نمط “التشغيل التلقائي”، يعيش الأيام دون حضور حقيقي أو رغبة في التغيير.

الجسم لا ينفصل عن هذا التحول الداخلي، فهو يتفاعل مع الحالة النفسية بعمق، وكأنه يقرأ الرسالة الخفية: “لم يعد هناك سبب كبير للاستمرار بنفس الحيوية”، فتبدأ الطاقة في الانخفاض، ويضطرب النوم، ويقل الحماس، وكأن الجسد ينسحب ببطء إلى وضع التوفير.

لكن جزءاً كبيراً من هذه الشيخوخة الداخلية لا يأتي فقط من التقدم في العمر، بل من طريقة تعامل الإنسان مع ما يحيط به، فبعض الناس يسمحون للهموم أن تستهلكهم، أو يتأثرون كثيراً بتغيرات المجتمع من حولهم، أو يعلقون في أزمات الحياة وكأنها نهاية الطريق، أو يعيشون أسرى لذكريات الماضي، فيفقدون القدرة على رؤية الحاضر والاستمتاع به، ومع تراكم ذلك، يخفت الشغف تدريجياً دون أن يشعروا.

في المقابل، هناك من يتقدمون في العمر بينما يظلون أقرب للحياة، هؤلاء لا ينكرون الهموم ولا يتجاهلون الواقع، لكنهم لا يسمحون له أن يسرق منهم المعنى، يتعاملون مع الأزمات كجزء من التجربة لا كنهاية لها، ويعيشون الحاضر دون أن يظلوا عالقين في الماضي، ويمنحون أنفسهم مساحة للاستمتاع بالحياة ضمن ما هو مباح ومتاح بوعي واعتدال دون إفراط أو جلد للذات.

كما أنهم لا يتوقفون عن التعلم، ولا يسمحون للروتين أن يبتلع فضولهم، يجرّبون أشياء جديدة، ويعيدون اكتشاف ما أحبوه سابقاً، ويحافظون على إحساس بسيط لكنه مهم: أن الحياة ما زالت تستحق أن نعيشها.

الشيخوخة التي نصنعها تبدأ حين نُقنع أنفسنا أن الظروف أقوى من قدرتنا على الاستمرار، وأن الماضي أجمل من الحاضر، وأن التغيير أصبح عبئاً، هذه الأفكار لا تغيّر العمر، لكنها تغيّر الشعور به بالكامل.

في المقابل، مقاومة هذه الشيخوخة لا تحتاج إلى إنكار الواقع، بل إلى طريقة مختلفة في التعامل معه: أن لا نسمح للهموم أن تبتلعنا، ولا للأزمات أن توقفنا، ولا للمجتمع المتغير أن يسلبنا هدوءنا الداخلي، ولا للماضي أن يسجننا؛ بل نعيش كل ذلك، لكن دون أن نفقد حقنا في الشغف والاستمتاع بالحياة.

في النهاية، نحن لا نكبر فقط بمرور الزمن، بل بطريقة استجابتنا له.
يمكن للإنسان أن يشيخ وهو في العشرين إذا استسلم من الداخل، ويمكنه أن يبقى حيّاً في السبعين إذا حافظ على شغفه،لذلك السؤال الحقيقي ليس: كم عمرك؟ بل: كيف تعيش عمرك؟

د. دخيل الله عيضه الحارثي

 

 

الدكتور دخيل الله عيضه الحارثي

أديب وشاعر سعودي ومشرف ومحرر زاوية (ومضة)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى