حين رحل العوفي… بكى البيان
بقلوبٍ مؤمنةٍ بقضاء الله وقدره، وبحزنٍ يفيض أسًى واحتسابًا، ننعي رحيل فضيلة الدكتور علي العوفي، أستاذ الأدب والبلاغة بكلية اللغة العربية ورئيس قسمها السابق بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.
لقد كان الفقيد قامةً علميةً وأدبيةً بارزة، جمع بين سعة العلم وسموّ الخلق، فكان مجلسه واحة علم، وكلامه أثرًا من البيان، وسيرته مثالًا يُحتذى في التواضع وحسن الأثر.
نسأل الله أن يتغمّده بواسع رحمته، وأن يغفر له، ويرفع درجته في عليين، ويجعل علمه وعمله في ميزان حسناته.
حين رحل العوفي… بكى البيان
نُعِيَ البيانُ فهاجَ الدمعُ وانسكبا
بعدَ عليِّ الفخرِ ننعيَ الكُتُبا
عليُّ العوفيُّ بدرُ العلمِ إن أفلَتْ
شموسُ قومٍ لم يُطفَأْ لهُ لَهَبا
يا وارثَ الضادِ كم أحييتَ من لُغَةٍ
كانت تُوارى فأضحتْ تُنشدُ العَرَبا
وكم كشفتَ خفايا القولِ مُجتهدًا
حتى استبانَ خفيُّ السرِّ واقتربا
أنتَ البلاغةُ لا لفظٌ نُحيطُ بهِ
بل أنتَ معنى ما عُدَّتْ وما كُتِبا
تجري المعاني على كفّيكَ منطلِقًا
نهرٌ إذا ذُكِرَ الإحسانُ قد نُسِبا
إن قلتَ خَرَّت لكَ الألبابُ خاشعةً
كأنّ قولَكَ وحيٌ يُوقظُ الحُجُبا
وإن سكتَّ فصمتُ العلمِ يشهدُهُ
نورًا ويُثبتُ في الآفاقِ ما ثَبَتا
جمعتَ بينَ جلالِ الحِلمِ مُعتدلًا
وبينَ حزمٍ إذا ما جدَّ مُنتدبَا
فلا الشدائدُ تُغريكَ استِطالَتُها
ولا الرخاءُ يُريكَ الزهوَ والعجبا
تمشي فيلبسكَ التقوى مهابتَهُ
كأنّ خطوَكَ بينَ الناسِ مرتقبا
وجهٌ طليقٌ وبِشرٌ لا تكلُّفَ به
كأنما الفجرُ في إشراقهِ انتصبا
يا واسعَ البذلِ كم أغنيتَ من كَبِدٍ
وكم رويتَ قلوبًا أُنهكَتْ تَعَبا
تعطي فيخجلُ غيثُ المُزنِ من كرمٍ
جادتْ بهِ راحتاكَ البيضُ وانسكبا
وفي الدروسِ إذا القاعاتُ قد عُمِرَتْ
أحييتَ لفظًا وأحييتَ النهى أدبَا
فالحرفُ من فيضِكَ العلميِّ مُنتسبٌ
والفهمُ من نورِكَ الوقّادِ قد شرِبا
خرّجتَ حشداً من الأعلامِ في زمنٍ
أضحوا بنهجِكَ في آفاقِنا نُجُبا
إن غبتَ فالذكرُ لا يُمحى توهّجُهُ
ولا المآثرُ ما دامَ المدى رحُبا
تبكيكَ دارُ العلومِ اليومَ مُنكسِرًا
ركنٌ فصارَ من الأحزانِ مضطربا
حتى المنابرُ استبكتْ مآثرَكم
وصارَ بعدَكَ صوتُ الحقِّ مُغتربا
يا قبرُ رِفقًا بجسمٍ كانَ تُكرِمُهُ
آياتُ ربٍّ بها الإحسانُ قد وهبا
نم هادئًا فدعاءُ الناسِ يتبعُهُ
فيضٌ من الرحمةِ الغرّاءِ مُنسكِبا
اللهُ يجمعنا في دارِ رحمتهِ
حيثُ النعيمُ وحيثُ أنسُنا قَرُبا
شعر د. دخيل الله عيضه الحارثي

