وهم الكمال المهني

وهم الكمال المهني
بين التقييم والأثر
من الظواهر التي تستحق التأمل في بعض البيئات المهنية اعتقاد بعض الموظفين أن مجرد قيامهم بالعمل اليومي يمنحهم تلقائيًا درجات التقييم الكاملة، وكأن التميز حق مكتسب لا نتيجة أداء!
وفي ميدان التعليم تحديدًا، تبدو هذه الفكرة أكثر حساسية؛ لأن أثر الأداء لا يتوقف عند الموظف نفسه، بل يمتد إلى الطالب ومستوى تعلمه ومهاراته المستقبلية. ومن واقع تجربة امتدت لأكثر من ثلاثة عقود في الميدان التعليمي، أدركت أن التميز الحقيقي لا يُقاس بحجم الجهد المبذول فحسب، بل بما يتركه من أثر مستدام في تعلم الطلاب ونموهم.
فليس كل من دخل الحصة قدّم تعليمًا مؤثرًا، وليس كل من أكمل المنهج حقق نواتج تعلم حقيقية، وليس كل من حافظ على هدوء الصف نجح في بناء المعرفة لدى طلابه، وليس كل من تضخم ملفه بالورق مبدعًا؛ إنما العبرة في التعليم ليست بما يقدمه المعلم من جهد فقط، بل بما ينعكس على تعلم الطلاب ونموهم ومستوياتهم الحقيقية.
وتكمن الإشكالية حين يُنظر إلى التقييم الوظيفي باعتباره استحقاقًا ثابتًا، بينما الأصل أن يكون أداة للتطوير والتحسين المستمر. فيصبح الحصول على الدرجة الكاملة مطلبًا دائمًا، بغض النظر عن مستوى الإنجاز، أو حجم الفجوة بين الواقع والمأمول.
وفي هذه الحالة ينشأ ما يمكن تسميته بـ(وهم الكمال المهني)، حيث يقتنع الفرد بأنه يؤدي عمله على أكمل وجه، بينما تكشف المؤشرات والنتائج والشواهد وجود جوانب تحتاج إلى تطوير وتحسين.
والحقيقة أن #التقييم_العادل لا يُبنى على المشاعر، ولا على سنوات الخدمة، ولا على حسن النوايا، وإنما يُبنى على الأدلة والشواهد ومؤشرات الأداء الواقعية؛ فكما أن من الظلم بخس المجتهد حقه، فإن من الظلم أيضًا مساواة الأداء المتوسط بالأداء المتميز، وشتّان بينهما.
ولعل أخطر ما ينتج عن وهم الكمال أن صاحبه يتوقف عن مراجعة نفسه؛ لأنه لا يرى مساحة للتحسين أصلًا. بينما يبدأ التطور الحقيقي عندما يدرك الإنسان أن الاعتراف بالحاجة إلى التحسين ليس انتقاصًا من قيمته، بل خطوة أولى نحو التميز.
وخلال سنوات العمل التربوي، وجدت أن أكثر المتميزين هم أولئك الذين لا يتوقفون عن مراجعة أنفسهم، ويعتبرون كل ملاحظة فرصة للنمو، لا انتقاصًا من قدراتهم.
علمًا بأن ثقافة الجودة لا تقوم على منح الجميع الدرجة نفسها، بل على القدرة على التمييز بين مستويات الأداء المختلفة، ومساعدة كل فرد على الانتقال من مستوى إلى مستوى أعلى. فالتقييم ليس عقوبة، بل مرآة مهنية تعكس الواقع كما هو، لا كما نحب أن نراه.
وفي التعليم خاصة، يبقى السؤال الأهم:
هل الهدف أن ترتفع درجات التقييم؟ أم أن ترتفع مستويات الطلاب؟
لأن نجاح المعلم الحقيقي لا يُقاس بما يحصل عليه من تقدير فحسب، بل بما يتركه من أثر في عقول طلابه وهم ثمرة العطاء والجهد.
خاتمة:
{قبل أن تحاسب مديرك على الدرجة، قف مع نفسك وقفة صادقة، وتأمل أثر عطائك في طلابك؛ فهناك تُقاس قيمة العمل، وهناك يبدأ التميز الحقيقي. وفي التعليم تبقى حقوق الطلاب أمانة في أعناقنا جميعًا قبل أي تقييم أو تقدير.
بقلم / فاطمة الهاجري 🪻
أ. فاطمة الهاجري
ما أجمل الكلمات حين تُذكّرنا أن التميز ليس درجة تُمنح، بل أثرٌ يبقى.
ففي التعليم لا يُقاس العطاء بما نكتبه في الأوراق، بل بما نزرعه في العقول ونحصد ثماره في مستقبل الطلاب.
شكراً لكِ على هذا الطرح العميق الذي يوقظ فينا قيمة المراجعة الذاتية، ويؤكد أن التميز الحقيقي يبدأ من الصدق مع النفس قبل انتظار التقدير من الآخرين.
مقال رائع يترجم فكر الكاتبة التربوي وربطه بالواقع ومستجداته
بوركت أ . فاطمة
وأسأل الله أن ينفع بك وبما طرحتيه .