نسمات الماضي
نسمات الماضي
الو… وديان؟
تسلّل صوتها إلى أذني كأنه نسمة ربيعٍ دافئة تتخلّل نافذةٍ مغلقة منذ سنين، رغم أن المطر الشتوي يقرع الزجاج خارجاً بعنف.
«رقية…؟» همستُ، وكأنني أخشى أن أُفزّع الذكرى نفسها.
«نعم أنا يا ابنتي! ألم تعرفي صوتي بعد؟» ردّت وضحكتها تملأ الخط، تلك الضحكة المعدية التي كانت تُغرق البيت قديماً بنورٍ لا يُطفأ.
سكتُّ لحظة. تدفّقت الصور كأن سدّاً انفتح فجأة: رقية في المطبخ تُغنّي بصوتٍ عالٍ وهي تُقلّب القدر، رائحة الكبسة واللحم المشوي تمتزج برائحة المشموم من الشرفة، أبي يضحك حتى تدمع عيناه من إحدى نكاتها، وأنا… أجلس في الصالون أكتم غيظي لأنها حلّت محل أمي التي توفت وانا صغيرة. أنا لا أحبها وأحترمها في الوقت ذاته لأنها لم تقترف في حقي ذنباً سوى أنها عاشت.
«لا والله، ما نسيتُكِ… بل تفاجأتُ فقط. كيف حالكِ؟»
«الحمد لله، يا حبيبتي، أنا في أتمّ الصحة والعافية. البيت صار كبيراً جداً عليّ وحدي، فحوّلت الطابق الأرضي مطبخاً واسعاً، وأعدتُ الطعام للجيران وللشباب الوافدين إلى المنطقة الصناعية الجديدة. صاروا يأتون من كل مكان و خاصة الشركة التي بالشارع الخلفي خصيصاً لأجل الأكل! قَريباً ، إن شاء الله، أفتتح مطعماً صغيراً بإسمي .»
سمعتُها وابتسامةٌ غصبٌ عني انتزعتها من قلبي المُتعب.
«حقاً؟ إذن أصبحتِ سيدة المشروع والدار والحيّ كلّه؟»
ضحكت ضحكتها المجلجلة وقالت: «يا بنيتي، أنا لا أحبّ الجلوس ساكنة. الدنيا لا تنتظر أحداً. وأنتِ؟ كيف حال الدكتورة وديان؟ هل ما زلتِ تكرهين طعامي كما كنتِ في السابق؟»
ضحكتُ ضحكة خفيفة، أول ضحكة صادقة تخرج مني منذ أشهر.كم كان تعليقها صادماً صادقاً
«لا، والله… الآن حين أتذكّر طعمه أشعر بالجوع فوراً.»
صمتت برهة، ثم قالت بهدوء لم أعهده منها قط:
«تعالي زوريني يا وديان. البيت ما زال بيتك. الطابق العلوي كما تركتِه، سريرك موجود، والمفرش الذي كنتِ تحبينه ما زال في الخزانة. أنا لستُ وحدي تماماً… لكنني سعيدة. وستكون سعادتي أتمّ لو جئتِ.»
شعرتُ بدموعي تترقرق، ولم أجد كلاماً أردّ به.
«إن شاء الله… سآتي قريباً.»
«لا تتأخري. أنا في انتظارك.»
أغلقتُ الهاتف ونظرتُ إلى السقف. المطر لا يزال يضرب النوافذ، لكن لأول مرة منذ سنوات شعرتُ أن شمساً صغيرة بدأت تُشرق داخل صدري.
همستُ لنفسي ودموع الابتسامة على خدّي:
«يا رب، ارزقني نصف سكينتها فقط… نصفها يكفيني دنياي كلها.»
بقلم المهندس علي الماجد

